عندما نشر “كامو” كتاب ” اﻹنسان المتمرد ” انتقده ” سارتر ” بشدة، ﻷنه كان يرفض الشيوعية رغم رفضه للظلم ، رأى “سارتر” إن موقف “كامو” أخلاقي ، ويفتقر الفاعلية السياسية ، ” كامو” من جانبه رفض تبرير العنف باسم التاريخ ، بينما قبله “سارتر” لضرورته أحيانا لتحقيق العدالة . وخلاصة الخلاف بين الفيلسوفين أن “كامو” كان يركز على القيم اﻹنسانية الفردية ، بينما ” سارتر” يعطي اﻷولوية للفعل السياسي حتى لو تضمن تنازلات إخلاقية . “كامو” اﻹنسان يوجد في عالم لا معنى له ، والعبث يولد من صدام هذا اﻹنسان مع رغبته في الفهم . وهو يقر بالحرية لكن يرى على اﻹنسان أن يختار رغم غياب أي اساس مطلق للمعنى ، أما ” سارتر ” فيرى أن الوجود يسبق الجوهر أي أن اﻹنسان يصنع هويته من خلال أفعاله لا عبر طبيعة ثابتة ، والحرية مطلقة في هذه اﻷفعال ، وكل اختيار هو مسؤولية أخلاقية كاملة . وإذا كان “كامو ” يدعو للتمرد في المحصلة ضد العبث ودون السقوط في اﻷيديولوجيا أو العنف ، رافضا اﻷنظمة الشيوعية من اﻷساس وتبرير القتل باسم العدالة فإن ” سارتر “كان مؤيدا استخدام العنف الثوري لتحقيق التغيير الاجتماعي إن كان ضروريا ، وتعاطف مع الماركسية واعتبر أن الثورة ضرورية حتى لو كانت عنيفة أحيانا .
رغم أن ” سارتر “و “كامو” كانا صديقين مقربين في بداية مسيرتهما الفكرية إلا أن فلسفتهما تباعدتا بسبب رؤيتين مضادتين للحرية ، والعبث ودور المثقف في المجتمع . يرى “كامو”أن اﻹنسان يعيش في عالم عبثي لا يحمل معنى جوهريا ، ورغم ذلك يجب أن يتمرد على هذا العبث دون الانخراط في العنف أو الاستسلام للثورات العقائدية . وبالتالي يكون تمرده أخلاقي وفردي يحترم فيهما كرامة اﻹنسان بوصفها قيمة عليا ، أما ” سارتر ” فقد انطلق من الفرضية أن اﻹنسان حر بالكامل ، ومسؤول عن خياراته ، حتى في ظل ظروف ظالمة . هذه الحرية الكاملة تستدعي أحيانا اتخاذ قرارات جماعية وثورية وإن تطلبت تنازلات أخلاقية كما في دعمه المؤقت للماركسية . واتضح أن الخلاف بينهما أخلاقيا أيضا ، ” سارتر ” الذي رأى أن التغيير الثوري قد يستلزم العنف الثوري ، وبلغ هذا التباين ذروته في نقد ” سارتر ” الشهير لكتاب اﻹنسان المتمرد . وإذا كان ” كامو ” يمثل في النهاية الضمير اﻷخلاقي للفرد في عالم بلا إله ، فإن ” سارتر” يجسد اﻹلتزام الثوري القائم على اﻹرادة الحرة .
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية