منصة الصباح
د. علي عاشور

رِسَالَتِي الثَّانِيَة إِلَى وَزِيرِ التَّعْلِيمِ العَالِي

باختصار

  لم تعد إشكالية التعليم العالي في جامعاتنا تقف عند حدود الإمكانات أو البنية التحتية، بل امتدت إلى عمق الممارسة الأكاديمية ذاتها، حيث أصبحت بعض الإجراءات الجوهرية، وعلى رأسها تشكيل لجان مناقشة رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراة، محل تساؤل جاد حول مدى عدالتها وموضوعيتهاونزاهة تكوينها.

     في الأصلتشكل لجان المناقشة لضمان تقييم علمي نزيه، قائم على التخصص والكفاءة والاستقلالية…. لكن الواقع في جامعاتنا يكشف عن صورة مغايرة، حيث باتت المجاملات في كثير من الأحيان، حاضرة في اختيار أعضاء هذه اللجان، سواء على مستوى المناقش الداخلي أو الخارجي…. ولم يعد خافيا على أحد أن بعض التشكيلات تحكمها علاقات شخصية أو اعتبارات وظيفية، أكثر مما تحكمها المعايير العلمية الدقيقة.

     المفارقة المؤلمة أن عملية الاختيار في عدد من الحالات لا تتم وفق نظام مؤسسي واضح، بل تخضع لتقديرات المشرف أو عميد الكلية أو رئيس القسم أو مسؤول إداري، وهو ما يفتح الباب واسعا أمام تكرار الأسماء ذاتها، في مشهد يطرح سؤال العدالة بين الأساتذة…. فكيف يعقل أن يناقش أستاذ عشر رسائل في فصل دراسي واحد، بينما لا يمنح زميله مناقشة رسالة واحدة رغم تقارب التخصص والكفاءة؟

     الأخطر من ذلك، أن ما يشبه “تبادل المنافع” أصبح ممارسة غير معلنة: ادعوني في لجنتك لأدعوك في لجاني، أو استضفني في قسمك لأبادلك الدعوة…. هذه المعادلة، وإن لم تكتب، إلا أنها تمارس بشكل يعلمه القاصي والداني، وتنتج بيئة أكاديمية مثقلة بالمجاملات، وتضعف من استقلالية القرار العلمي، وتحرج عضو اللجنة أمام زميله الذي اختاره، والذي يكون صديقاً له في الغالب.

     وحين يتولى المشرف على الرسالة دوراً في اختيار لجنة المناقشة، فإن ذلك بحسن نية أو بسوئها يضع أعضاء اللجنة في دائرة ضيقة من الاعتبارات الاجتماعية، ويجعل من الصعب الفصل التام بين العلاقة الشخصية والحكم العلمي الموضوعي… وفي هذا السياق، يصبح الطالب نفسه طرفا غير مباشر في شبكة من التوازنات، لا علاقة لها بجودة عمله البحثي.

     معالي الوزير… إن إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى اجتهادات فردية، بل إلى قرار تنظيمي مؤسسي واضح…. والحل يبدأ من بناء منظومة وطنية موحدة، تسجل فيها بيانات أعضاء هيئة التدريس وفق تخصصاتهم العامة والدقيقة، ودرجاتهم العلمية وخبراتهم، وسيرهم الذاتية بشكل شفافعلى أن يتم، من خلال هذه المنظومة، اختيار لجان المناقشة آلياً أو وفق معاييروزارية دقيقة، تضمن العدالة في التوزيع، والتخصص في الاختيار، والاستقلالية في القرار.

   كما أن إبعاد المشرف عن عملية اختيار اللجنة، أو على الأقل تقنين هذا الدور، من شأنه أن يعزز من مصداقية المناقشات، ويبعدها عن أي شبهة مجاملة أو تأثير غير مباشر.

     إن الجامعة التي نطمح إليها لا تدار بالعلاقات، بل بالأنظمة…. ولا تبنى بالمجاملات، بل بالمعايير والبرامج الواضحة ورسم السياسات. وحين تترك واحدة من أهم محطات التقييم العلمي عرضة للاجتهادات الشخصية، فإننا نغامر بمستقبل البحث العلمي ذاته.

       تبقى المسؤولية اليوم في يد صانع القرار… فإما أن تضبط هذه المسارات بمعايير عادلة، أو تستمر الفوضى في إنتاج مزيد من التشكيك…. وهنا… تكمن القضية.

د. علي عاشور

شاهد أيضاً

لجنة مكافحة غسل الأموال بليبيا تستعرض الاستراتيجية الوطنية وتخطط لتعزيز الضوابط المالية

لجنة مكافحة غسل الأموال بليبيا تستعرض الاستراتيجية الوطنية وتخطط لتعزيز الضوابط المالية

عُقد صباح اليوم الخميس الاجتماع العادي الأول للجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لعام …