منصة الصباح
د. علي عاشور

رِجَالُ الْمُرُور… وَالْحَقُّ الْمَهْدُور

باختصار

د. علي عاشور

لم يعد الازدحام المروري في مدينة طرابلس مجرد حالة عابرة أو ظرفاً طارئاً، بل تحول إلى مشهد يومي خانق، يتكرر بانتظام في أوقات الذروة الصباحية والظهيرة، حتى بات جزءاً من معاناة المواطن الليبي، وصورة فاضحة لغياب التنظيم، وارتباك الإدارة، وتراجع أبسط أدوار المعنيين بإدارة وتنظيم حركة المواطنفي الشارع.

     في تقاطعات بعينها، لا تخطئها العين ولا يجهلها جل السائقون بطرابلس، خاصةً تلك القريبة من أعمال الدائري الثالث، مثل تقاطع صلاح الدين، وطريق الشوك، وعودة الحياة، يقف المواطن ساعةً كاملة وربما أكثر، لا يتحرك قيد أنملة، محاصراً بين سيارات متكدسة، وأبواق صاخبة، وأعصاب مشدودة، في مشهد يبعث على الغضب والاختناق معاً.

    التلاميذ يتأخرون عن مدارسهم، لا لكسل أو إهمال، بل لأن الشوارع قررت أن تتوقف، والموظفين يتأخرون عن أعمالهم، فتخصم من مرتباتهم، ويلامون على ذنب لم يرتكبوه، والمرضى يتأخرون عن مواعيدهم، وربما عن إسعاف عاجل، في سباق خاسر مع الوقت.

    أما السيارات، فلا تسلم من الخدوش والكدمات، نتيجة الاحتكاك القسري في زحام بلا ضوابط، ولا إشارات تُحترم، ولا من ينظم أو يردع.

     وسط هذا كله، يبرز السؤال المؤلم: أين رجال المرور؟ أين هم في هذه التقاطعات المنكوبة؟، أين هم في ساعات الذروة التي يفترض أن تكون أولى أولوياتهم؟، لماذا لا نراهم إلا في مصائد لجني الغرامات؟، ولماذا يتركز حضورهم في طريق السكة، وأمام المقار الحكومية، ووسط البلاد فقط، وكأن بقية أحياء طرابلس خارج نطاق الخدمة، أو خارج حسابات المسؤولية؟

   أليست مهمة رجل المرور الأساسية هي تنظيم حركة السير، لا الاكتفاء بتحرير المخالفات؟، أليس وجوده في التقاطعات المزدحمة ضرورة، لا ترفاً؟، أم أن دوره اختزل في الجباية، وغاب عن جوهر الوظيفة ومعناها؟

    المشهد يزداد سوءاً حين نرى مركبات ضخمة محملة بمواد البناء، تتزاحم مع سيارات صغيرة، تقودها نساء لا يستطعن المناورة في هذا الجحيم المروري، بلا توجيه، ولا مسارات واضحة، ولا أدنى إحساس بالأمان…. إنها فوضى مفتوحة، يدفع ثمنها المواطن وحده، أعصاباً ووقتاً ومالاً وصحةً.

       إن ما يحدث في شوارع طرابلس ليس مجرد ازدحام، بل غياب إدارة، وغياب رقابة، وغياب شعور بالمسؤولية، والصمت عن هذا الواقع لم يعد مقبولاً، كما أن التبرير لم يعد مقنعاً.

       نريد رجال مرور في الميدان لا في الدفاتر، نريدهم في التقاطعات لا في الكمائن، نريدهم في ساعات الذروة لا بعد فوات الأوان، فوجودهم في الطريق ليس منة، بل حق للمواطن، وغيابهم المتكرر عن التقاطعات المزدحمة هو العنوان الأوضح لحق يهدر كل صباح، تحت عجلات السيارات، وعلى أعصاب المواطنين وصحتهم ومالهم..

    فطرابلس لم تعد تحتمل المزيد من الاختناق، والمواطن لم يعد يملك ترف الصبر على فوضى يمكن تنظيمها لو حضر من يفترض به أن يكون حاضراً.

شاهد أيضاً

في أول أيام العام الجديد.. الاحتلال يشن غارات على مناطق متفرقة بغزة

في أول أيام العام الجديد.. الاحتلال يشن غارات على مناطق متفرقة بغزة

شن الجيش الإسرائيلي، الخميس، غارات جوية وقصفًا مدفعيًا على مناطق متفرقة في قطاع غزة، شملت …