منصة الصباح
د. علي عاشور

شَهْرُ رَمَضَان… وَغِيابُ الْخِلَّان

باختصار

     في رمضان تتبدل المواعيد كما تتبدل الأدوار… لا شيء يبقى على حاله، حتى الغياب يصير أكثر حضورا…  فهو شهر اللقاءات المؤجلة، والموائد التي تجمع من فرقتهم الأيام، لكنه أيضا شهر يكشف الغياب، وأقسى الغياب في هذا الشهر هو غياب الوالدين؛ منهم من غاب نهائياً فترك مكاناً خاوياً لا يملؤه أحد، ومنهم من حضر جسداً وغاب دوراً، وذلك أكثر وجعاً.

الوالدان المتوفيان لا يحتاجان شرحا… المكان الفارغ في منتصف المائدة يقول كل شيء، ذلك المكان الذي كان معروفا وثابتاً، يصبح فجأة بلا صاحب…. لا أحد يجلس فيه، ولا أحد يجرؤ على الاقتراب منه.

في بيوت ليبية كثيرة، لا يزال الأب حاضرا في توقيت الآذان، في صوته قبل تجاوزه عتبة البيت، وفي الصمت الذي يلي أول لقمة…. والأم وإن غابت، لا تغيب صورتها؛ ويد التي كانت تضبط المائدة، وتعرف الأكلة التي يفضلها كل فرد في العائلة… غيابهما هنا ليس فقدا فقط، بل اختلالا في نظام البيت، وفي إيقاع رمضان كله.

ثم هناك الغياب الأشد قسوة…  غياب سببه المرض، أن يكون الوالدان بيننا، لكن بلا طقوسهما، أن يكون الأب مستلقياً على طرف المائدة لا في منتصفها، لا يمد يده إلى ما يحب، ولا يطلب (الشربة) التي اعتاد أن ينتقد ملحها… أو أن تنظر الأم إلى أطباق كانت تجلس في اعدادها منذ ما قبل العصر، فتبتسم فقط، ولا تتذوق منها شيئاً نتيجة المرض…. المرض لا يأخذهم منا، لكنه يأخذ منهم تفاصيلهم: كطريقة الجلوس وسرعة الأكل، والتعليق المعتاد بعد الإفطار، وحتى الكحة التي كانت تأتي دائما مع أول رشفة ماء بعد الأذان، بل حتى في طريقة قيامهم للصلاة.

في البيوت الليبية، المرض في رمضان صامت، لكنه ثقيل…. لا أحد يشتكي، ولا أحد يعلن الحزن، لكن العيون تعرف…. المائدة عامرة، والبركة حاضرة، بيد أن القلب يلاحظ أن شيئا ما ليس في مكانه….. أن الدور الذي كان يؤديه الوالدان، ولو بكلمة أو نظرة، لم يعد يؤدى.

في الأسبوع الثاني من رمضان يبدأ الصمت في الكلام…. يعلمنا الصوم كيف نقتصد في القول، لكنه يفتح علينا باب الإحساس على مصراعيه…. فثمة وجوه اعتدنا أن نراها في هذا الشهر تحديدا، تقوم بأدوار لا يستطيع أحد القيام بها غيرهم، فإذا تغيرت تلك الأدوار تغير ترتيب الشهر كله.

رمضان لا يطلب منا تفسير الغياب، بل يدعونا إلى التعايش معه… قد يكون الغياب بالموت درسا في التسليم، وقد يكون الغياب بالمرض امتحانا في البر الحقيقي؛ بر الصبر، وبر تقبل تغير الأحوال دون شكوى…. في هذا الشهر نتعلم أن بعض الفقد لا يعوض، وأن بعض القرب يكون في الرعاية لا في المشاركة.

وفي الخميس، حين يهدأ الإيقاع، أترك هذا النص مفتوحا على احتمالاته…. قد يراه البعض حديثا عن رمضان، وقد يقرؤه آخرون بوصفه رثاء غير معلن…. أما من عرف معنى أن يفقد الوالدين، أو يراهما أمامه ولا يعودان كما كانا، فسيقرأه كما هو: وجع ليبي صامت… لأن الغياب حين يكتب بصدق لا يحتاج مبالغة… ورمضان، كما نعرف، شهر تختبر فيه القلوب قدرتها على الصبر.

د. علي عاشور

شاهد أيضاً

جمعة بوكليب

طريق النحل

زايد…ناقص اكتشفتُ أن قولنا “صُدفة” خطأ، والصحيح “مصادفة.” وأنا مُصادفةً عثرتُ مؤخراً على طريقٍ لم …