كتب / ابراهيم الحداد
في قلب مدينة زويلة، حيث كانت سعفات النخيل تلاعب السماء، لم يتبقَّ اليوم إلا سوادٌ يعلوه دخانٌ خانق. من سانية الأجداد، يقف الحاج علي الشريف، الرجل الذي يعيش على طرف السانية مع نخلاته، يقلب بيده غصناً متفحماً كأنه يقلب صفحات تاريخٍ يُحرق عمداً.
يقول بنبرة يملؤها القهر: “لابنة ابراهيم، يا بني، الرياح الموسمية نعرفها منذ أجدادنا، وقواعد السلامة نهملها أحياناً بجهل، لكن ما نراه اليوم ليس حريقاً عابراً، إنها نار تمشي بخرائط وجداول حسابية”.
تبدأ المأساة عادةً مع هبوب رياح القبلي الجافة، التي تجعل غابات النخيل مخزناً للبارود النباتي. وفي لحظة مريبة، تنطلق الشرارة الأولى من زاوية مهملة. يروي الأستاذ مفتاح، وهو عضو في البلدية وأستاذ جامعي وناشط بيئي، وأحد الخيرين الذين قاموا بإطفاء الحريق، المشهد بعيون من شهد فاجعة فقال: “مشهداً يثير الريبة، الغريب أن النار لا تختار قلب الغابة الرطب، بل تندلع دائماً في الأطراف الملاصقة للطرق المعبدة، أو في الأراضي التي يدور حولها لغط السماسرة. رأينا بأعيننا كيف يراقب البعض النيران من بعيد، وبدلاً من طلب النجدة، كانوا يتفحصون بعيونهم المساحات التي ستنفتح أمام جرافاتهم بعد أن يأكل اللهب جذوع النخل الصامدة”.
خلف هذا الدخان، تختبئ حقيقة “السطو العقاري” التي باتت أوضح من الشمس. فالحريق هنا ليس كارثة بيئية فحسب، بل هو “ممحاة” قانونية سريعة المفعول. النخلة التي يمنع القانون اقتلاعها لأنها ثروة وطنية، تصبح بعد الحريق “عائقاً متفحماً” يجب إزالته لتنظيف المكان.
يعلق مهندس زراعي عاين الموقع بمرارة: تحويل الأرض الزراعية إلى مخطط سكني يحتاج سنوات من المعاملات الورقية، لكن الحريق يختصر الزمن في ليلة واحدة. بمجرد أن يبرد الرماد، تختفي معالم الغابة، وتظهر فجأة أوتاد المساحين لتعلن ولادة تقسيم سكني جديد فوق جثث النخيل التي لم يقتلها العطش، بل قتلها سعر المتر.
بين إهمالٍ يترك المخلفات وقوداً للنار، ورياحٍ لا ترحم، ونوايا مبيتة تترصد اللحظة المناسبة، تضيع رئة المدينة. إنها “جريمة كاملة” تُقيد ضد مجهول اسمه الظروف الجوية، بينما المستفيد يبتسم خلف زجاج سيارته، ينتظر أن يبيع الرماد ذهباً، محولاً هوية الأرض من خضرةٍ تعطي التمر، إلى خرسانةٍ صماء لا تعطي إلا الضجيج. هكذا تسقط الواحة، لا بفعل الطبيعة، بل بفعل جشعٍ يرى في احتراق الوطن مجرد “فرصة استثمارية” لا تعوض.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية