المسافة بين طرابلس ودمشق نحو ثلاثة آلاف كيلومتر بالجغرافيا.
أما بالسياسة فالمسافة قريبة جدًا، والكلام عن نهاية ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته.
كان الرئيس السوري حافظ الأسد في بنغازي في رحلة زعل، وتفريغ شكاويه للقذافي، بسبب علاقات شقيقه مع الإسرائيليين.
أما في دمشق، فكانت معركة الملصقات على جدران المدينة تعكس صراع الشقيقين اللدودين.
كان عناصر سرايا الدفاع يلصقون صور رفعت، بينما يقوم رجال المخابرات بإلصاق صور حافظ فوقها.
وكان بورتريه الرجل القوي هو الصورة الذهنية التي تكوّنت حول رفعت الأسد في الشارع السوري.
الرجل أظهر شراسة، ونزعة دموية في التعامل مع الإسلاميين خلال أحداث مدينة حماة.
لعلّ ذلك ما جعله الشخص الأقوى في أذهان السوريين.
وكانت نكتة يجري تداولها حول قيام عناصر شرطة باستيقاف حافظ الأسد وزوجته، وعندما عرف الضابط أنه حافظ الأسد، رئيس الجمهورية، قال لزملائه:
«سيبوه دا أخو رفعت».
كانت ليبيا ليست بعيدة عن حالة اللا انقلاب، واللا استقرار في سوريا.
ودخلت ليبيا مع موسكو في مشروع ترميم العلاقة بين الشقيقين، انتهى بتدخل الأخ الأكبر: موسكو.
وكان لجلود، الذي أقام ولفترة طويلة بفندق الشام لأسباب لبنانية، دور مهم في إقناع رفعت بالذهاب صوب موسكو.
ضمانات الكرملين والقذافي شجّعت رفعت على الخروج، ولا يدري أنه لم يخرج من سوريا، بل هي من خرجت منه.
تفككت سرايا الدفاع، وانتهت مزارع الحشيش التي كان يديرها رفعت في البقاع اللبناني.
وعاد حافظ الأسد يشتكي، ولكن هذه المرة من الاختناق المالي، فقد أفرغ الشقيق الخزينة السورية.
منحت ليبيا وديعة بقيمة 200 مليون دولار لدمشق لتخفيف الاختناق المالي.
وبعد ذلك بفترة قصيرة، وصلت السفارة الليبية بدمشق فاتورة بقيمة تزيد عن نصف مليون دولار، مقابل إقامة جلود بفندق الشام، للسداد.
أغضبت الفاتورة معمر القذافي، وخاطب مصرف ليبيا السلطات السورية مطالبًا بسداد الوديعة.
وكان واضحًا أن السوريين ليس في تفكيرهم الوفاء بهذا الدين.
وتم نشر بيان بنفقات القوات المسلحة على الجيش السوري، بما في ذلك الجوارب وقوالب الصابون.
ذهب رفعت الأسد في رحلة ذهاب بلا عودة، ولكن هذه المرة هي الأخيرة، وإلى الآخرة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية