في مدينة بنغازي، حيث تتشابك خيوط التاريخ بالثقافة الشعبية، أُسدل الستار في 27 يناير عام 2022 عن حياة واحدة من أكثر الشخصيات الفنية تأثيراً في الوجدان الليبي.
خديجة الكاديكي، المعروفة شعبياً بلقب “الفونشة” ولقبها الأثير “الوردة الليبية”، غادرت عالمنا عن عمر يناهز 87 عاماً، تاركةً خلفها فراغاً لا يمكن ملؤه في أرشيف “البهجة” الليبية.
لم تكن خديجة مجرد مغنية أفراح، بل كانت نتاج بيئة موسيقية خصبة؛ فوالدها إبراهيم الكاديكي كان عازف بيانو بارعاً في زمن كانت فيه الموسيقى لغة النخبة في مقاهي سوق الحوت لكن خديجة اختارت مساراً مختلفاً، مساراً يلامس الأرض والناس بدأت في الخمسينيات، وفي السبعينيات أحدثت ثورة صغيرة بإصدار أول شريط كاسيت لها، محولةً الأغنية الشعبية من “طقوس عابرة” في المناسبات الاجتماعية إلى “منتج ثقافي” يُباع في شارع مصراتة ويُسمع في كل بيت.
يحلل النقاد سر استمرارية الفونشة لستة عقود في قدرتها على الموازنة بين “العاطفة المفرطة” و”الوطنية الصادقة” عندما غنت “عزيزة والعزة بالله” عام 1977، لم تكن مجرد أغنية، بل كانت بياناً في حب الأرض (ليبيا) بلهجة بيضاء وصلت إلى أطراف البلاد.
تميزت بصوت يحمل “بحة” بنغازية أصيلة، وقدرة على ارتجال “الشتوة” و”المجرودة” بذكاء فطري جعلها مدرسة يقلدها الكثيرون، لكن أحداً لم يستطع مضاهاة حضورها الطاغي الذي يشيع البهجة بمجرد ظهورها.
رحيل الكاديكي ليس مجرد خبر وفاة لفنانة، بل هو خسارة لـ “خزان ذاكرة” اجتماعية. هي التي غنت للصديق الجافي، وللوطن الغالي، وللمدينة التي عشقتها (بنغازي).
برحيلها، فقدت الأغنية الشعبية الليبية آخر خيوط “الزمن الجميل” الذي كان فيه الفن وسيلة للحب، وللحفاظ على الهوية في وجه التحولات السياسية والاجتماعية المتسارعة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية