منصة الصباح

عام على رحيل الناجي الحربي  غياب الجسد وحضور “السيلفيوم” الخالد  

تأتي ذكر العام الأول لرحيل الكاتب والاكاديمي  الاستاذ الناجي الحربي ، حاملا معه غصة الفقد الاليم ،  فهو عام مضى منذ أن ترجل ذلك الفارس الذي قضى تسعة وستين عاما في محراب المعرفة، متنقلا بين طيات التاريخ القديم وظلال الأدب الرفيع، تاركا خلفه فراغا لا يملؤه إلا صدى كلماته التي نقشت في وجدان الذاكرة الليبية.

لم يكن الراحل مجرد أكاديمي نال الماجستير في التاريخ القديم أو أستاذا في جامعة عمر المختار بالبيضاء، بل كان سادنا من سدنة “قورينا” وتاريخها العريق، بصفته عضواً في قسم الآثار الكلاسيكية، لم يكتف بتدريس المادة الجافة، بل نفخ في أوصال التاريخ من روحه الأدبية، ليحيل الحجارة الصماء في “السيلفيوم” إلى نصوص تنطق بالحياة. لقد آمن الحربي بأن المعرفة أمانة، فكان وفياً لتلاميذه ولأجيال نهلت من فيض علمه، باحثا دوما عن الجذور الضاربة في عمق الأرض الليبية.

في فضاء الصحافة، كان الناجي الحربي صوتاً رزيناً وعقلا منفتحا. ترأسه لموقع “السيلفيوم” الإلكتروني لم يكن مجرد منصب، بل كان منصة لإطلاق الفكر الحر والدراسات العميقة التي تناولت قضايا المجتمع والسياسة برؤية المثقف العضوي المتصل بآلام وطنه وآماله. وبانتمائه إلى رابطة الكتاب والأدباء ورابطة الصحفيين العرب، ظل الحربي وفياً لقضايا الأمة، مدافعاً عن الكلمة الصادقة كخيارٍ لا رجعة فيه.

إن رحيل الناجي الحربي في يناير من العام الماضي، بعد صراع مرير مع المرض، لم يكن غيابا بقدر ما كان تحولا إلى “نص خالد”. فكتبه التي تميزت بغزارة الفكر واستشراف المستقبل، ومقالاته التي زينت صفحات الصحف الليبية، ستظل منارة للباحثين عن الحقيقة والجمال. وكما نعاه المثقفون ورفاق الدرب بكلمات ملؤها الأسى، يذكره اليوم تلاميذه كواحد من أعمدة الفكر الذين لم يساوموا قط على قدسية المعرفة.

سلام على روح الناجي الحربي في ذكراه السنوية، وسلام على قلم لم يكتب إلا ليرتقي بالإنسان، ويبقى أثره شاهداً على أن الكبار لا يرحلون.. بل يكتمل حضورهم بغيابهم.

شاهد أيضاً

بعثة الأمم المتحدة تستأنف مسار الحوكمة ضمن الحوار المهيكل

أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا استئناف مسار الحوكمة ضمن الحوار المهيكل، حيث انطلقت …