منصة الصباح
د. علي عاشور

الزَّوَاجُ مَسْؤُولِيَّةٌ… لا في القُدْرَةِ المَالِيَّةِ

باختصار

        قبل أسبوع تقريباً، التقيت بزميل قديم نحتفظ معاً بذكريات طويلة وحوارات لا تنتهي …. بعد أن سألته عن حاله وأحول أسرته، أخبرني بفخر قائلاً: (لقد زوجت إبني) … تم أردف: أصبح رجلاً الآن!

 ابتسمت وأنا أبادله التهنئة، ثم سألته: أليس صغيراً على الزواج؟ لم يتركني أنهي سؤالي حتى أضاف بثقة كاملة: ابني لديه تعيين حكومي، وبنيت له منزلاً ملاصقا لي… لقد جهزته رجلاً كاملاً.

 هنا توقفت قليلاً… فالصبى -كما أعرفه- لم يبلغ الثامنة عشرة بعد، وعقله لا يزال يموج بشيء من الطيش الطبيعي في مثل عمره…. فقلت له بهدوء: مازال صغيراً يا رجل…. فكيف سيتحمل مسؤولية زواج؟ مسؤولية إنسانة أخرى؟ ومسؤولية أطفال وأسرة؟

  فأجابني دون تردد: يا رجل… لديه عمل ومرتب وبيت، وأمه وجدت له فتاة جميلة. فماذا ينقصه؟ هنا أدركت أن المشكلة ليست في الابن، بل في فهم بعض الآباء الذين يجعلون من المال معياراً جاهزاً للحكم على النضج.

      يشبه الأمر الإعلان الإلكتروني في ليبيا الذي يغريك بصورة جذابة للمنتج لكنه لا يكتب السعر، لا يضع أمامك الرقم الحقيقي؛ لأن الرقم قد يفضح الحقيقة ويجعلك تتراجع… وللأسف، صار الزواج عند البعض بهذا الشكل: صورة براقة لبيت حديث، ووظيفة جيدة، لكنهم يتغافلون عن “السعر الحقيقي” وهو قدرة الشاب على تحمل ما وراء الزواج من مسؤوليات معنوية وعاطفية وعقلية، كأن الزواج إعلان بلا سعر، يعرض الشكل ويخفي جوهر الالتزامات والمسؤوليات.

         فهذا الشاب الذي لم يبلغ بعد سن الرشد الكاملة، لم يختبر الحياة بما يكفي ليفهم معنى المسؤولية…. لم يختر زوجته، ولم يتعب ليجلب المال، ولم يذق مرارة السعي للحصول عليه، ولم يعرف قيمة الجهد الذي يجعل المال ذا قيمة…. ومن لا يعرف كيف يأتي المال، غالباً لا يعرف كيف يذهب، ولا كيف يصونه.

       المال الجاهز لا يبني رجولة، كما أن البيت المبني بجوار الأب لا يبني أسرة، وكما أن الوظيفة والمردود المالي لا يخلقان رجلا قادراً على مواجهة خلافات الحياة الزوجية ومتطلباتها.

 يجب علينا جميعاً أن نعي أن الزواج ليس إنفاقا ماليا فقط، وليس عداً للرواتب والحسابات البنكية، بل هو القدرة على ضبط ردود الفعل، إدارة الحوار، احتواء الغضب، التغافل عن الزلات، التعامل مع اختلافات الفكر بين الزوجين، وتحمل الأزمات دون أن تتحول كل مشكلة إلى صراع، ولا كل خلاف إلى طلاق.

      الزواج أن تتحمل مسؤولية سلامة الأسرة من الانهيار، وأن تفهم عقل المرأة واختلافها عنك، لا أن تجبرها على التطبع بطباعك، وأن تعرف متى تتنازل ومتى تتمسك، وكيف تحتوي النقاش مهما كان حاداً، وكيف تحافظ على البيت مهما اشتدت العاصفة.

 مسؤولية الزواج تعني أن تنفق من نفسك قبل أن تنفق من جيبك، وأن تتحمل الأدوار الخفية التي لا يراها أحد ولا تحسب بجداول المكسب والخسارة.

فالمسؤولية هنا ليست في المال وحده، بل في أن تنفق من وقتك وراحتك وصحتك، وأن تضحي بجزء من نومك ومن رغباتك من أجل استقرار أسرتك.

 قلت لصديقي يومها إن شاء الله مبارك…. ولكن الزواج ليس عملية حسابية بسيطة، وإن الابن الذي يزوج صغيراً دون تجربة كافية سيجد نفسه في معركة أكبر من قدرته، تماماً كمن يدخل صفقة لم يعرف تفاصيلها الحقيقية… فالأسرة ليست محل تجربة ولا إعلاناً يختفي فيه السعر، بل كيان يجب أن يحمى بالوعي والحكمة والنضج، لا بالمال فقط….. ولعل أسوأ ما يمكن أن نرتكبه في حق أبنائنا أن نقدم لهم الزواج باعتباره مرحلة سهلة يكفيها البيت والمرتب، ثم نستغرب لماذا تتهاوى البيوت سريعا بعد أول خلاف، وتمتلئ المحاكم بقضايا طلاق حديثي الزواج.

       الزواج يحتاج رجلاً يعرف نفسه قبل أن يعرف زوجته، ويعرف مسؤولياته قبل أن يعرف حقوقه، ويعرف أن المال وحده لا يصنع أسرة، وأن القوة الحقيقية ليست في دفع التكاليف بل في دفع الأذى عن البيت… وأن مسؤولية الزواج ليست في بناء الجدران بل في بناء التفاهم، وليست في امتلاك الدخل بل في امتلاك الحكمة، وليس في إنجاب الأطفال بل في القدرة على تربيتهم، وما لم ندرك هذا، سيظل بعض الآباء يزوجون أبناءهم قبل أن يكتمل وعيهم، ثم يتساءلون لاحقاً: كيف انهارت البيوت التي ظننا أنها بنيت على أساس متين؟

د. علي عاشور

 

شاهد أيضاً

الهادي بوحمرة

دور النيابة العامة في مواجهة مظاهر الانحراف بالإنفاق العام

بقلم: د. الهادي بوحمرة في ظل الظروف المالية والاقتصادية الاستثنائية التي تمر بها الدولة، وما …