د.علي المبروك أبوقرين
المرض شر لازمَ البشرية منذ فجر التاريخ، وقد عانت ليبيا قرونا طويلة من شرور ثلاثة متلازمة هي المرض والفقر والجهل.
حتى بزغ خير النفط، ليس ترف اقتصادي بل فرصة تاريخية لتحرير الإنسان من أثقل قيوده. فبدأت المدارس ومعاهد التمريض والمستوصفات ثم المستشفيات ، وتسابقت الأجيال النجيبة لنهل العلوم الطبية وغيرها من أعرق الجامعات الغربية والمصرية. وعاد خير أبناء الوطن أطباءً وعلماء يحملون راية العلم ورسالة الطب، ليس تجارة ولا امتياز بل خدمة للأمة والوطن .
وتضاعف الزاد واتسعت البعثات ، ونمت المدارس والمعاهد والجامعات وانتشرت المراكز الصحية والمستشفيات ، حتى عم خير الصحة البلاد والعباد. وما كان بعيدًا ومستحيلاً صار قريباً ومتاحا ، فغدت المستوصفات ومراكز الرعاية الصحية الأولية في كل قرية ومدينة وعلى الجبل وفي الوادي، وشيدت بنية تحتية صحية لم تعرف أفريقيا ولا العالم العربي لها مثيل في حينها.
واندفع الشباب الواعد إلى ميادين العلم وتقدموا الصفوف وحازوا الشهادات العليا، وتأسست كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة ومعاهد التمريض، فازداد خير الصحة وتقلصت الأمراض إلى حدودها الدنيا، وانخفضت وفيات حديثي الولادة والأطفال دون الخامسة والحوامل إلى المعدلات العالمية، وارتفع متوسط العمر حتى صرنا في طليعة محيطنا. وعم الخير وتراجع شر المرض وأسبابه ومن يتربص به.
وعُمرت البلاد بالمستشفيات الحديثة المجهزة وبالأطباء والتمريض في شتى التخصصات، وتوفرت الأدوية والمستلزمات واللقاحات من كبريات الشركات العالمية، وأُغلقت سلاسل الإمداد الطبي بإحكام، وأُنشئت مخزونات استراتيجية. كانت الأدوية الأصلية تُصرف مجانا، ولا مجال ابدا في وجود أدوية مغشوشة أو مزورة أو منتهية الصلاحية ، والعلاج في الداخل والخارج على نفقة الدولة، ولم يكن المواطن يدفع من جيبه لا قرش ولا جنيه ولا درهم ولا دينار.
وبالعقل والحكمة والإدارة والوطنية أُبعد شر الاستغلال والمتاجرة بتعليم أبنائنا وعلاج مرضانا واحتكرت الدولة الصحة والتعليم، حتى كادت الأمية أن تختفي وتقدمت ليبيا في مؤشرات التعليم عالميا. وكل ذلك كان خيرا لا بد منه .
ولكن الشر حين أُهملت حراسته تسلل وتغلغل ودمر الصحة والتعليم الطبي في دولة نفطية ثرية صنعت يوما ما نموذج صحي وتعليمي متقدم ، أوحى الشر بأن الصحة سلعة تُسعر وتُباع وتُشترى، وتُعرض في الأسواق، ويتسابق عليها السماسرة لا الأطباء.
وأُغلقت الفرص في وجه الأجيال وصار التعليم الذي كان متاحاُ في أقاصي الأرض مستحيلاً في الوطن، واستُبدل بدكاكين في الأزقة، وشهادات تُباع عند الحذاق والرفاق في مدن طالها خراب الاوطان والضمير. وتقلص الخير وانتصر الشر متنكرا في ثوب البديل ، وتم تسويقه على أنه قدر لا مفر منه. وانهار النظام الصحي وتفتت لأجسام لا قيمة ولا معنى لها ، وتدهور التعليم الطبي حتى صارت الكليات بالعشرات بلا معايير وبلا مستشفيات جامعية ، والتدريب السريري غائب شكلا وموضوعًا ومضمونًا ، وصارت المجانية تاريخا يتحسر عليه الفقراء. وفُتحت أسواق المرض هنا علاج بمقابل، وهناك شهادات للبيع، وهنا تأمين صحي للمتمارضين والسماسرة ، وكل شيء متاح إلا العلم الحقيقي، والصحة الكريمة والطمأنينة. هُجرت المستشفيات العامة ، وتحول ما كان مصدر خير شامل إلى بوابة شر منظم. ولكن الشر مهما طال فعمره قصير.
وستبقى الحقيقة ثابتة أن الصحة خير لا بد منه، والتعليم الطبي الراسخ المجاني في أعرق الجامعات حق وليس منّة. وسيعود العلم قبلة للأجيال وتقفل الأبواب المفتوحة على ماهو خارج الزمن الصحي في الاماكن والبرامج والشخوص ، وتنتهي عبثية أسواق المرض ويتراجع الجهل والفقر، ويستعيد الوطن وعيه بأن صحة الإنسان ليست صفقة بل سيادة، وأن التعليم ليس تجارة بل مستقبل أمة. وان تسليع الصحة والتعليم الطبي شر سرق الحق والصحة والكرامة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية