بقلم: د. الهادي بوحمرة
في ظل الظروف المالية والاقتصادية الاستثنائية التي تمر بها الدولة، وما تفرضه من التزام دستوري وقانوني بحسن إدارة المال العام؛ ومن أجل الحد من مخاطر تزايد الضغوط المعيشية على المواطنين، بات من الأهمية بمكان مواجهة تنامي مظاهر الإنفاق العام الموجه إلى أوجه كمالية أو ثانوية، وهو الأمر الذي يؤدي إلى رفع العجز عن الإنفاق على الضروريات المرتبطة بسير المرافق العامة والخدمات الأساسية.
فإلى جانب الدور الواضح الذي يمكن أن تلعبه الأجهزة الرقابية المتعددة، يمكن لنا أن نطرح
السؤال الآتي: هل يمكن للنيابة العامة أن تلعب دور ا في التصدي لظاهرة الإنفاق الفاحش من
المال العام على الكماليات؟
(مثل الاحتفالات والفعاليات التي تتضمن مظاهر لتبذير المال العام، وفتح الاعتمادات لأجل استيراد سلع كمالية في وقت يظهر فيه بوضوح عجز الدولة عن الرفع من مستوى معيشة المواطنين وتوفير خدمات عامة ذات جودة مناسبة لهم).
إن القول بقيام اختصاص النيابة العامة في هذا المجال يتطلب بيان مدى إمكانية إدخال مثل هذا الإنفاق في نماذج التجريم والعقاب القائمة للتأسيس لاختصاص النيابة العامة، وبيان حدود ذلك الاختصاص.
بداية، يمكن التأكيد على أن نصوص التجريم والعقاب في منظومة التشريعات الجنائية الليبية لا تكتفي في حمايتها للمال العام بتجريم الكسب غير المشروع أو الرشوة، ذلك أن الحماية تمتد لتشمل كافة صور إساءة استعمال السلطة أو الانحراف بها، أو التقصير في اتخاذ تدابير الحماية من الإضرار بالمال العام، أو الأفعال التي من شأنها التأثير على استحقاق المواطنين للمنافع والخدمات التي تقدمها الأشخاص الاعتبارية العامة والخاصة ذات النفع العام، بمنعها أو تعطيلها أو الإخلال بحق الأولوية في الحصول عليها.
فالقانون رقم ) 2( لسنة 1979 م بشأن الجرائم الاقتصادية-على سبيل المثال – ينص في مادته الرابعة عشرة على أنه: “يعاقب بالسجن ) من ثلاث إلى خمس عشرة سنة( كل موظف عام استخدم ما عُهد به إليه من مال عام في غير الأغراض التي خُصص لها بمقتضى خطة التحول الاقتصادية والاجتماعية، وبطريقة يترتب عليها ضرر بأهداف هذه الخطة”.
وينص نفس القانون في مادته الخامسة عشرة على أن يعاقب الموظف العام المكلف بحفظ وصيانة مال عام إذا قصر
في ذلك؛ ومن صور التقصير: تبذيره في الكماليات على حساب الضروريات، واستغلال صلاحيات الوظيفة العامة في إنفاق المال العام في أوجه لا تحقق المصلحة العامة، أو لا تتفق مع الغاية التي خُصص لها المال .
كما إن إهدار المال العام وتحميل الخزانة العامة نفقات غير ضرورية يعد مساسا بالمصلحة الاقتصادية للدولة، ومكونا لجريمة الإضرار بالمال العام )عمد ا أ و بإهمال جسيم ( التي تنص عليها المادة التاسعة من قانون الجرائم الاقتصادية ، والتي يجري نصها على النح و الآتي: ” يعاقب بالسجن وبغرامة لا تقل عن ألف دينار وبرد قيمة الأضرار التي أحدثها، كل موظف عام أحدث
عمد ا ضرر ا جسيم ا بمال عام أو بمصلحة عامة…”.
هذا بالإضافة إلى أن الإنفاق على الكماليات وتقديم الأمور الثانوية على الضرورية، وعدم مراعاة الأولويات في الإنفاق وفي منح الاعتمادات، قد يدخل في النموذج التجريمي للإخلال بواجبات حماية المال العام وإساءة استعمال السلطة المحدد في المادة العاشر ة من قانون الجرائم الاقتصادية، والتي تنص على: “يعاقب بالحبس وبغرامة لا تقل عن خمسمائة دينار وبرد قيمة الأضرار التي أحدثها، كل موظف عام تسبب بخطئه الجسيم في الضرر المنصوص عليه في المادة السابقة، بأن كان ذلك ناشئ ا عن إهمال في أداء وظيفته أو عن إخلال بواجباتها أو إساءة استعمال السلطة…”. بل أن الأمر قد يتفاقم على أن يؤدي إلى تخريب المنشأة العامة وهو الأمر الذي يدخل في نص المادة الرابعة والتي ورد فيها فعل التخريب عاما أيا كانت وسيلته.
وفي جميع الأحوال، يمكن أن يُعد تسهيل إنفاق المال العام في الكماليات إضرارا بالاقتصاد الوطني، ويدخل في نطاق “إساءة استعمال سلطات الوظيفة لنفع الغير أ و الإضرار به” المنصوص عليه في المادة الرابعة والثلاثين من القانون ذاته، في حال عدم انطباق نص جنائي آخر على الفعل.
وبالإضافة إلى ما سبق، يمكن تطويع نصوص جنائية أخرى لحماية المال العام من التبذير الحكومي، منها -على سبيل المثال – نص المادة الأولى من القانون رقم ) 22 ( لسنة 1985 م ) في حدود نطاق استمراره( والذي يعاقب بالحبس كل من يسئ استعمال وظيفته منفعة لنفسه أو لغيره.
كما يمكن مد استيعاب ” الفصل الرابع” من قانون الجرائم الاقتصادية )التربح( لحالات تحقيق منافع غير مشروعة تقترن بالإنفاق الكمالي المتعلق بتضخيم العقود، أ و توجيه التعاقد لجهة بعينها، أ و تحقيق مكاسب مباشرة أ و غير مباشرة.
ومع التأكيد على أن النيابة العامة -بصفتها الأمينة على الدعوى العمومية وحامية الشرعية – تختص بتحريك ومباشرة الدعوى الجنائية كلما قامت شبهة جريمة تمس المال العام أو المصلحة الاقتصادية للدولة، وأنه لا سلطة لها في توجيه أ و تقييم السياسات المالية أو ترتيب أولويات الإنفاق بوصفها خيارات إدارية مشروعة، إلا أن ولايتها – في المقابل – تنعقد متى خرج الإنفاق عن نطاقه القانوني وتحول إلى إنفاق غير مشروع وشكل انحرافا أو إساءة استعمال للسلطة أو
إضراراً بالمال العام.
ومن مظاهر هذا الإنفاق غير المشروع الذي يشكل جرائم جنائية: الإنفاق الباذخ على الاحتفالات والفعاليات بنفقات إقامة وسفر وضيافة مبالغ فيها، وفتح اعتمادات مستندية لاستيراد كماليات لا يتناسب استيرادها مع التقدير السليم لحماية الاقتصاد الوطني، مثل المعدات الفاخرة التي تتجاوز الاحتياجات الفعلية.
وأخيرا فإنه بممارسة هذا الاختصاص تكون النيابة العامة أحد أهم صمامات أمان الشرعية
المالية، وضمانة لحسن إدارة الموارد العامة، خاصة في أوقات الأزمات.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية