عبدالله الزائدي
في أروقة الإذاعة الليبية العريقة، حيث لا تزال رائحة الورق المخطوط والشرائط المغناطيسية تروي حكايات العصر الذهبي، كانت هناك لحظة مقدسة تتكرر ظهيرة كل يوم في رمضان وعلى مدار ثلاثين عاما ، عندما يعلن عن حلقة جديدة من برنامج “قصة وآية”. لم يكن البرنامج مجرد فقرة دينية درامية عابرة في جدول بث، بل كان “الطقس الاجتماعي ” الذي أوقف عقارب الساعة في البيوت الليبية.
الراحل عبد اللطيف الشويرف، الذي غادر دنيانا في مارس 2024، لم يكن لغويا ضليعا وفقيها عارفا ، بل كان مهندساً للوعي. بأسلوبه الذي يزاوج بين جزالة اللغة العربية وعمق الإسقاط الدرامي، نجح الشويرف في تحويل النصوص التراثية إلى مادة حية تتنفس في واقع مستمعي الإذاعة الليبية . وعلى الضفة الأخرى، كان المخرج عمران راغب المدنيني يمارس “سحره” الإخراجي، محولا الكلمة المكتوبة إلى تجربة سمعية غامرة، متجاوزاً حدود النص إلى فضاء الصورة الذهنية.
إن استذكار هذه الحقبة ليس “نوستالجيا” باهتة، بل هو تحليل لظاهرة إعلامية نادرة. ففي عصرنا الرقمي الصاخب، تبدو “قصة وآية” كحفرية ثمينة في ذاكرة أمة؛ كانت فيها الإذاعة مرجعا اجتماعيا يجمع الناس حول مائدة واحدة، وكان المبدع فيها يدرك أن المسؤولية تجاه “الميكروفون” لا تقل قدسية عن المسؤولية تجاه “المحراب”. لقد رحل الشويرف، وبقيت الأسئلة.. كيف استطاع ذلك الجيل أن يصنع إرثاً صمد لعقود، بينما يتلاشى أثر ما ننتجه اليوم في غضون ايام
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية