الصباح / خاص
بين رفوف الكتب وطموحات الشباب، يثبت المشهد الثقافي الليبي يوماً بعد يوم أنه يمتلك من الحيوية ما يكفي لتجاوز الركود؛ فمعرض “اللواء 444 قتال” للكتاب لم يكن مجرد منصة لبيع العناوين، إنما تحول إلى جسر يربط بين تجارب محلية تسعى لترسيخ عادة القراءة، ورحلات خارجية تنقل إلينا خلاصة الانضباط الإنساني في أقصى الشرق.

إن استعادة الكتاب لمكانته وسط ضجيج “السوشيال ميديا”، والاستماع لقصص النجاح الأكاديمي في مجتمعات كاليابان، هما وجهان لعملة واحدة: الرغبة في بناء إنسان ليبي واعي، يقرأ ليفهم، ويسافر ليتعلم، ويعود ليبني.
حيث شهد راوق المعرض زخماً معرفياً لافتاً تجسد في جلسات حوارية ثرية، استهلتها الأستاذة نسيبة الشريف بإدارة حوار معمق حول دور نوادي القراءة في الساحة الثقافية، استضافت خلاله كلاً من أمل النائلي ونيروز البدري. واستعرضت الضيفتان تجربتهما الرائدة في تأسيس نادي للقراءة بالتعاون مع إحدى المكتبات، وكيف أثمرت تلك الجهود في جذب شريحة واسعة من الشابات والفتيات نحو عالم الكتاب، رغم تحدي العزوف العام عن القراءة.
وشددت الجلسة على أن الالتزام بالقراءة يجب أن يُنظر إليه بجدية توازي الالتزام بالرياضات البدنية أو الذهنية ككرة القدم والشطرنج، مع الإشارة إلى أن انحسار هذه العادة يبدأ من غياب الاهتمام المنزلي وتعاظم دور مواقع التواصل الاجتماعي، التي رأت فيها الضيفتان فرصة سانحة للاستثمار والترويج بدلاً من كونها عائقاً، حيث نجح النادي من خلالها في تشجيع الفتيات على اقتناء الكتب وترسيخ القراءة كأداة للمتعة وتوسيع المدارك، ليتحول النادي إلى ملتقى حيوي لتبادل الآراء وتطوير الوعي المعرفي.
وفي سياق متصل، انتقل الحوار إلى آفاق عالمية أدارها الأستاذ طه القبرون مع الدكتور الطيب محسن، الذي استعرض تفاصيل رحلته الدراسية في اليابان منذ حصوله على منحة الحكومة اليابانية عام 2010.
وقدم الدكتور محسن قراءة تحليلية للواقع الياباني بعيداً عن الأوهام الشائعة، متناولاً دقة التنظيم الياباني التي تبدأ من لحظة الاستقبال في المطار وحتى تفاصيل الحياة الجامعية التي تجمع جنسيات من مختلف أنحاء العالم. ورغم صعوبة اللغة اليابانية وطبيعة المجتمع التي قد تبدو مغلقة أو “باردة” في الظاهر، إلا أنه أكد على عمق القيم الشرقية لديهم من كرم وضيافة، مبيناً أن تركيزهم الأساسي ينصب على العمل والإنتاج. كما تطرق إلى الجانب الروحي والفكري في اليابان، حيث يقدس المجتمع قيمة الإنسان في حياته الدنيا، وهو ما قد يفسر تفوقهم المادي، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن الأستاذ الياباني يمثل نموذجاً في التعاون والبذل العلمي.
واختتم حديثه بوصف تجربة العيش في ظل الزلازل القوية، وكيف يتجلى التكافل الاجتماعي هناك في أصعب الظروف، مؤكداً أن الدروس المستفادة من تلك الرحلة تتلخص في تقديس العمل، والنظام الصارم، وأسمى معاني التكافل الإنساني.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية