حوادث الطرق في ليبيا تحولت إلى نزيف يومي مفتوح، يستنزف الإنسان والنظام الصحي والاقتصاد في آن واحد.
نحن نتحدث هنا عن مأساة مستمرة تُكتب كل يوم على الإسفلت، وتُستكمل فصولها داخل أقسام الإسعاف والطوارئ وفي غرف العمليات، وفي العنايات المركزة، وفي مسارات طويلة من الإعاقة والمعاناة. إن الطريق في ليبيا لم يعد وسيلة انتقال للأسف أصبح منطقة خطر. والمستشفى لم يعد مكان علاج فقط بل أصبح خط دفاع أخير أمام موجات متلاحقة من الإصابات المعقدة منها نزيف حاد وكسور متهشمة وإصابات دماغية، وتهتك أعضاء وبتر أطراف.
وهذه ليست حالات طبية عادية، إنها كوارث فردية تتطلب منظومة متكاملة ودقيقة وسريعة وهي في واقع الحال تُواجه بإمكانات محدودة ونظم غير مكتملة. والأزمة هنا في الحادث ذاته وفي السلسلة الكاملة التي تحيط به من لحظة وقوعه إلى زمن الاستجابة،
وإلى جودة الإسعاف وكفاءة الطوارئ، وجاهزية غرف العمليات، وتوفر العناية المركزة، وبرامج التأهيل الجسدي والنفسي والاجتماعي. فأي خلل في هذه السلسلة قد يعني فقدان حياة أو تحويل إصابة قابلة للعلاج إلى إعاقة دائمة. والحقيقة القاسية أن هذه السلسلة في ليبيا تعاني من انقطاعات خطيرة.
والبنية التحتية للطرق تعاني من قصور في التصميم والصيانة ومعايير السلامة. والتشريعات موجودة في كثير من الأحيان لكنها ضعيفة التنفيذ. والرقابة المرورية غير كافية، والانضباط شبه غائب. وثقافة السلامة العامة لا تزال هامشية أمام سلوكيات خطرة تتكرر يوميًا. لكن الأخطر من ذلك كله هو هشاشة منظومة ما قبل المستشفى.
الإسعاف ليس مجرد سيارة تنقل مصابًا فهو غرفة طوارئ متنقلة، يجب أن تصل بسرعة وتعمل بكفاءة، وتتخذ قرارات حاسمة في تواني ودقائق فاصلة بين الحياة والموت. وهذا يتطلب تجهيزًا عاليًا، وتدريبًا متخصصًا، وانتشارًا جغرافيًا يغطي كل الطرق، في المدن والقرى والصحارى. وحين يتأخر الإسعاف يموت المصاب قبل أن يصل.
وحين يصل دون تجهيز تتفاقم الإصابة. وحين تُستقبل الحالة في قسم طوارئ غير مؤهل تتضاعف الخسارة. ثم تبدأ مرحلة أخرى أكثر قسوة مرحلة الإقامة الطويلة، والتكاليف المرتفعة، والضغط على الأسرة الصحية، ثم رحلة التأهيل التي قد تستمر سنوات أو لا تكتمل أبدًا. وهنا تتحول الحادثة من أزمة طبية إلى أزمة اجتماعية واقتصادية ونفسية أسرة تفقد معيلها، وشاب يفقد قدرته على العمل، وإنسان يدخل في دائرة الإعاقة والاكتئاب، ومجتمع يخسر طاقاته الحية. إن تكلفة حوادث الطرق لا تُقاس بعدد الوفيات فقط بل بحجم الحياة التي تُستنزف بعدها. ولهذا فإن التعامل مع هذه الكارثة لا يمكن أن يكون جزئيًا أو ارتجاليًا فيجب أن يكون مشروع دولة متكامل يقوم على ركائز لا تنفصل، وهي طرق آمنة بتصميم هندسي مطابق للمعايير، وصيانة مستمرة، وإشارات واضحة وإضاءة كافية ونقاط خطورة مُعالجة. الطريق يجب أن يُبنى ليمنع الحادث وليس أن يكتفي بتحمله. وقوانين واضحة ورقابة فعالة، ونظام تراخيص منضبط، وعقوبات تُطبق بلا استثناء. فالفوضى المرورية ليست حرية إنما هي تهديد مباشر للحياة. ومنظومة إنقاذ متكاملة وشبكة إسعاف حديثة تغطي كل شبر، وكوادر مدربة على أعلى مستوى، ونظام اتصال واستجابة سريع، وتكامل مع الدفاع المدني والإطفاء، ومستشفيات مُصنفة وجاهزة لاستقبال الحالات وفق نظام إحالة ذكي وفعّال. ولا يكتمل ذلك دون بناء منظومة تأهيل تشمل تأهيل حركي ونفسي واجتماعي يعيد الإنسان إلى الحياة ولا يتركه أسير إصابته. وما نحتاجه ليس تحسينًا في الاستجابة إنما في حاجة لإعادة تعريف لقيمة الحياة. وأن ندرك أن كل دقيقة تأخير قد تساوي روحًا تُفقد. وأن كل إهمال في طريق أو قانون أو إسعاف هو مشاركة غير مباشرة في هذه الخسارة. إن ليبيا اليوم أمام اختبار حقيقي إما أن تواصل التعامل مع حوادث الطرق كأرقام في تقارير وللأسف غير دقيقة لغياب السجلات الطبية والصحية الإلكترونية الموحدة، أو أن تعترف بأنها كارثة وطنية صامتة، وتبدأ في مواجهتها بمنطق العلم والانضباط والإرادة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية