“قراءة في كتاب سالم الهنداوي”
طارق القزيري
لا يقدّم كتاب “حصاد الشوك: نقد الجائز في ادب الجوائز” نفسه كبيان ضد الجوائز الادبية، ولا كصرخة احتجاج انفعالية ضد نتائج بعينها، بل كنص نقدي يحاول تفكيك واحدة من اكثر البنى الثقافية نفوذا في المشهد العربي المعاصر: بنية الجائزة بوصفها فاعلا مركزيا في انتاج القيمة الادبية وتوزيعها.
الكتاب صادر عن دار السراج للنشر والتوزيع / ديسمبر 2025، ينطلق فيه “سالم الهنداوي” من فرضية دقيقة ومقلقة في آن: الجوائز لم تعد نتيجة مسار نقدي، بل اصبحت بديلا عنه. لم تعد خاتمة لتراكم قرائي وتحليلي، بل صارت نقطة البدء التي يعاد على اساسها تعريف النص، والكاتب، وحتى الذائقة العامة.
من هنا لا ينشغل الكتاب بسؤال من فاز ومن خسر، بل بسؤال اعمق: كيف غيّرت الجوائز طريقة كتابة النصوص، وطريقة تلقيها، وطريقة تداولها داخل السوق الثقافي.
الجائزة داخل السياق الثقافي العربي
يضع الكتاب ظاهرة الجوائز داخل سياقها التاريخي والثقافي، ولا يعزلها عن التحولات الاوسع التي عرفها الادب العربي خلال العقود الاخيرة. فالجوائز، كما يبيّن الهنداوي، لم تظهر في فراغ، بل في لحظة تراجع فيها دور النقد المؤسسي، وضعفت فيها الصحافة الثقافية المتخصصة، وغابت المنصات التي تنتج تراكما تقييميا مستقلا.
في هذا الفراغ، تقدمت الجائزة لتملأ موقعا شاغرا، لكنها لم تملأه بوظيفته الاصلية، بل بوظيفة اخرى: التصنيف السريع، وصناعة النجومية، وتوليد القيمة الرمزية عبر الاحتفال والاعلام. وهنا تصبح الجائزة، بحسب طرح الكتاب، اداة تنظيم للمشهد اكثر منها اداة فهم له.
من القيمة الجمالية الى القيمة التداولية
احدى الافكار المركزية التي يشتغل عليها الكتاب هي التحول في مفهوم القيمة. لم يعد النص مهما بما يضيفه جماليا او فكريا، بل بما يمكن ان يحققه من حضور وانتشار. الجائزة هنا لا تمنح النص قيمته، بل تمنحه قابلية التداول داخل منظومة النشر والترجمة والاعلام.
يحلل الهنداوي هذا التحول بوصفه انتقالا من منطق الادب الى منطق السوق، حيث يصبح النص منتجا ثقافيا يخضع لشروط العرض والطلب، وحيث تلعب الرعاية والتمويل والدعاية دورا لا يقل اهمية عن الجودة نفسها. هذا التحليل لا يأتي في صيغة ادانة اخلاقية، بل كتشخيص بنيوي يربط الادب بسياق اقتصادي وثقافي اوسع.
النص الذي يكتب وهو ينظر الى لجنة التحكيم
يتوقف الكتاب مطولا عند اثر الجوائز على الكتابة ذاتها. فحين تتحول الجائزة الى افق نهائي، يبدأ النص بالتشكل على مقاسها. تتكرر الثيمات، وتخف حدة المغامرة الاسلوبية، ويغدو الامان السردي اكثر جاذبية من المخاطرة.
لا يذهب المؤلف الى اتهام مباشر للكتّاب، بل يصف آلية ضغط غير معلنة: الكاتب لا يكتب للجائزة صراحة، لكنه يكتب وهو يعرف ما الذي يمر وما الذي لا يمر. وهنا تكمن خطورة ما يسميه الكتاب ضمنيا بـ”الذائقة الجائزية”، التي تنتج نصوصا متشابهة في بنيتها، وان اختلفت موضوعاتها.
وهم العالمية والاعتراف الخارجي
يفكك الكتاب ايضا الخطاب السائد الذي يربط بين الجوائز والعالمية. فالفوز، كما يوضح الهنداوي، لا يعني بالضرورة ان النص صار عالميا، بل انه صار قابلا للتسويق في سوق الترجمة. العالمية هنا ليست قيمة ادبية خالصة، بل مسارا مؤسسيا تحكمه اختيارات ووساطات وصور نمطية عن الادب العربي نفسه.
هذا التفكيك مهم لأنه يحرر القارئ من فكرة ان الجائزة هي الطريق الوحيد للاعتراف، ويعيد طرح السؤال حول شروط حضور الادب العربي خارج لغته وسياقه.
هم البنية لا هاجس الاسماء
من اهم ما يحسب للكتاب انه لا ينزلق الى التسمية ولا الى تصفية الحسابات. لا نقرأ فيه هجوما على لجنة بعينها، ولا تشكيكا مباشرا في نزاهة اسم محدد، بل تحليلا لمنظومة كاملة: منظومة تتقاطع فيها الثقافة مع المال، والاعلام مع النشر، والرمزي مع التجاري.
لغة الكتاب واضحة، مباشرة، لكنها غير تبسيطية. لا يسعى الى ادهاش بلاغي، بل الى اقناع تراكمي. وهو ما يجعل قراءته ممكنة للقارئ غير المتخصص، دون ان يفقد عمقه التحليلي.
ملاحظات نقدية موجزة
مع قوة اطروحة الكتاب ووضوح تشخيصه، يمكن تسجيل ملاحظات خفيفة تتعلق بتوازن البناء، ربما تتعلق بالموضوع أكثر من الكتاب، فهو لن يحصي كل امتدادات القضية، دون أن يخسر تضخم جرم المطبوع، لكن بعض الافكار المركزية تتكرر بصيغ مختلفة، وكان يمكن اختصار هذا التكرار لصالح توسيع بعض المقارنات بين الجوائز العربية نفسها، او بين نماذج ادارية مختلفة داخل السياق العربي.
كما ان الكتاب، وهو ينجح في تفكيك العلة، يكتفي احيانا بالتحليل دون ان يلمح الا بشكل محدود الى افق عملي بديل، سواء على مستوى استعادة دور النقد، او على مستوى وضع معايير شفافية اكثر وضوحا للجائزة نفسها. وهي ليست ثغرة بقدر ما هي مساحة مفتوحة لنقاش لاحق.
كذلك ثمة سؤال عن موقع القارئ، فالمؤلف يشتغل بقوة على مثلث: “الكاتب، الجائزة، السوق”. لكنه احيانا يترك القارئ في الخلف بوصفه متلقيا منقادا، بينما القارئ في زمن المنصات ليس بريئا ولا سلبيا دائما.
حصاد الشوك للهنداوي، كتاب ضروري لأنه يعيد الاعتبار للسؤال النقدي في لحظة طغى فيها الاحتفال على التفكير، والنتيجة على المسار. هو ليس كتابا ضد الجوائز، بل كتاب ضد اختزال الادب فيها. يذكرنا بان الادب لا يعيش بالمنصات وحدها، بل بالقراءة، وبالنقد، وبالزمن الطويل الذي لا تمنحه اي جائزة.
أعتقد أنه كتاب يربك اليقين، ويعيد فتح النقاش حول معنى القيمة، ومعنى الاعتراف، ومعنى ان نكتب اصلا.
———-
– تم قراءة ومراجعة الكتاب بناء على نسخة ألكترونية PDF وصلت للكاتب. أرجو أن تكون النهائية.
–
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية