منصة الصباح
موقع حامد بوجبيرة.. رحيل "حارس الورق" الذي استشرف رقمنة الحقيقة

حامد بوجبيرة.. رحيل “حارس الورق” الذي استشرف رقمنة الحقيقة

عم  الأوساط الأكاديمية والإعلامية في ليبيا صمت حزين . ففي الحادي والثلاثين من مارس الماضي ، غادرنا الدكتور حامد بوجبيرة، الأكاديمي الذي لم يكن مجرد أستاذ للصحافة  او صحفي ناقل لمجريات الاحداث ، بل كان  بوصلة جيل كامل تاه بين حبر الورق وجنونه، وبين أزرار الشاشات وبرودها.

لم يكن بوجبيرة أكاديمياً تقليدياً يحبس نفسه في قاعات جامعة طرابلس؛ بل كان “مستشرفاً” قلقاً على مصير الكلمة المكتوبة. في أبحاثه الرائدة، خاصة تلك التي ناقشها في سرت عام 2006، حذر بوجبيرة من “تهاوي الحصون التقليدية” للصحافة الورقية أمام زحف “الإعلام الجديد”. كان يرى في تلوث الأنامل بالكربون طقساً مقدساً يواجه خطر الانقراض، ومع ذلك، لم يكن معادياً للتكنولوجيا، بل كان داعياً لـ “تلاقح” واع يضمن بقاء حرية التعبير وسيلة للبناء لا أداةً للفوضى.

بدأت رحلة بوجبيرة منذ الثمانينيات، حيث عرف كمثقف ومحاور نوعي قبل أن يصبح أحد أعمدة النشر في ليبيا من خلال توليه مهام “الدار الجماهيرية للنشر”. لكن الشغف الحقيقي تجلى عندما انتقل لسلك التدريس؛ هناك، لم يلقِ المحاضرات فحسب، بل زرع في طلبته قيم “المصداقية والاحترافية” التي جسدها عملياً خلال توليه منصب نائب المدير العام لوكالة الأنباء الليبية، كان يرى في الصحفي الشاب “مشروعاً وطنياً” يجب دعمه وحمايته.عاش الدكتور حامد سنواته الأخيرة في صراع مرير مع المرض، متنقلا بين مصحات تونس وطرابلس، ومواجها تبعات عملية دقيقة في الرأس وحادثة سقوط آلمت محبيه، ورغم المتاعب التي لا تحصى التي تعرض لها، ظل بوجبيرة محتفظاً بابتسامته المعهودة وعلاقاته الطيبة مع زملائه، مترفعاً عن الصغائر، ومخلصاً لرسالته العلمية حتى الأنفاس الأخيرة.

يرحل بوجبيرة تاركاً خلفه مكتبة من الأبحاث وأجيالا من الإعلاميين الذين تعلموا منه أن الصحافة “مسؤولية” قبل أن تكون “مهنة”. إن غيابه اليوم هو خسارة لمنظومة القيم التي ناضل من أجلها، لكن عزاءنا الوحيد أن كلماتنا، التي لطالما خشي عليها من “التبخر الرقمي”، ستبقى تحفظ اسمه كواحد من أنقى القامات التي عرفتها الصحافة الليبية.

شاهد أيضاً

الأرض الحمراء".. ديوان يرصد الدم والحروب على صفحات الشعر

“الأرض الحمراء”.. ديوان يرصد الدم والحروب على صفحات الشعر

صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت، للشاعر المغربي مخلص الصغير، ديوان “الأرض الحمراء”، …