منصة الصباح
قراءة في تقرير IOM حول التغير المناخي والهشاشة في جنوب ليبيا

قراءة في تقرير IOM حول التغير المناخي والهشاشة في جنوب ليبيا

إعداد// عبدالسلام الغرياني

في وقت يواجه فيه العالم تحديات مناخية غير مسبوقة، يبرز جنوب ليبيا كواحدة من أكثر المناطق تعقيداً وتأثراً بتقاطع الأزمات البيئية مع الهشاشة الهيكلية. وفي تقرير حديث صدر عن المنظمة الدولية للهجرة، يمتد على 18 صفحة، تم الكشف عن مشهد قاتم يرسم ملامح مستقبل المنطقة من خلال دمج تقنيات الاستشعار عن بُعد (للفترة ما بين 2001-2024) مع البيانات الميدانية الحية.

لم تعد التغيرات المناخية في الجنوب الليبي مجرد فرضيات، لقد باتت واقعاً تثبته الأقمار الصناعية. كشف التقرير عن تسجيل درجات حرارة لأسطح الأرض تجاوزت حاجز الـ 50 درجة مئوية، وهو مستوى يقوض أي نشاط بشري أو إنتاج زراعي مستدام.

موجات الحرارة القاسية، تزامنت معه حالة من “الفوضى المطرية”؛ حيث تتأرجح المنطقة بين جفاف قاحل يمتد لسنوات، وفيضانات مفاجئة ومدمرة تعطل النظم الطبيعية. وما زاد الطين بلة هو النمط الاستهلاكي للموارد؛ إذ سجل التقرير توسعاً في الأراضي ذات المحصول، على حساب الغطاء النباتي الطبيعي، مما أدى إلى استنزاف المياه الجوفية وتآكل المراعي، في مقايضة خاسرة بين مكاسب زراعية مؤقتة وتصحر طويل الأمد.

وفقاً لمؤشر الحلول والتنقل الذي اعتمده التقرير، أفرزت هذه التحولات المناخية “دورة فقر” محكمة الإغلاق. كان فقدان الدخل هو الأثر الأكثر وضوحاً نتيجة تراجع الإنتاج الزراعي ونفوق الماشية، وهو ما انعكس مباشرة على جودة الحياة.

ولم يتوقف الأمر عند الجانب المادي، إنما امتد ليشمل أزمة حادة في مياه الشرب الآمنة وتزايد المخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة المفرطة وتلوث المياه بعد الفيضانات، مما وضع السكان المحليين في مواجهة مباشرة مع أعباء معيشية تفوق قدرتهم على التحمل.

يفرد التقرير مساحة هامة لرصد حال المهاجرين في الجنوب، واصفاً إياهم بالفئة الأكثر عرضة للمخاطر. ففي ظل غياب الحماية القانونية (حيث يفتقر 45% منهم لعقود عمل) والاعتماد الكلي على العمل اليدوي، تصبح موجات الحر بمثابة قطع للأرزاق.

كما أن هشاشة السكن والمبيت، حيث يعتمد أغلبهم على مأوى مؤقت، تجعلهم الضحية الأولى للفيضانات المفاجئة. هنا، لم تعد الهجرة بالنسبة لكثيرين خياراً للبحث عن حياة أفضل، إنما تحولت إلى “استراتيجية بقاء قسرية” هرباً من انهيار سبل العيش في مناطقهم الأصلية، ليجدوا أنفسهم في مواجهة مخاطر مناخية مماثلة في وجهتهم الجديدة.

يخلص تقرير المنظمة الدولية للهجرة إلى حقيقة مقلقة: جنوب ليبيا يواجه حالة من “تراكم المخاطر”. فالتغير المناخي لا يعمل في فراغ، بل يتفاعل مع غياب الحوكمة الفعالة والهشاشة الاقتصادية ليخلق بيئة طاردة وغير مستقرة.

التقرير ينبه بشدة إلى بضرورة التحول من الحلول قصيرة الأجل إلى استراتيجيات مرنة وطويلة الأمد، تضمن الحفاظ على الموارد المائية وإعادة تأهيل الغطاء النباتي، لحماية السكان والمهاجرين من السقوط في فخ النزوح القسري وعدم الاستقرار المستمر.

شاهد أيضاً

تطوير مركبات نحاسية ذكية تقضي على خلايا سرطان الحنجرة

تطوير مركبات نحاسية ذكية تقضي على خلايا سرطان الحنجرة

نجح علماء من فرع أكاديمية العلوم الروسية سيبيريا في ابتكار كيميائي حيوي جديد قد يغير …