الصباح – تقرير
في وقت تتكثف فيه المساعي الأممية لدفع العملية السياسية في ليبيا نحو مرحلة أكثر وضوحًا، جددت تونس استعدادها لاحتضان مختلف المبادرات والمشاورات الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، في موقف يعكس استمرار انخراط دول الجوار في دعم المسار الذي تقوده بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.وجاء الموقف التونسي خلال لقاء وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، بالممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة ورئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، أمس الاثنين 5 أكتوبر، في مقر وزارة الخارجية بالعاصمة تونس، حيث بحث الجانبان آخر التطورات السياسية في ليبيا والتقدم المحرز في المبادرة الأممية الرامية إلى دفع العملية السياسية.
لا بديل عن حل ليبي شامل
وجدد النفطي التزام بلاده بدعم جهود بعثة الأمم المتحدة للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تحفظ سيادة ليبيا ووحدة أراضيها، وتقوم على ملكية ليبية كاملة للعملية السياسية، دون إقصاء أو استثناء لأي طرف، وتحت الرعاية الأممية.وأكد الوزير التونسي استعداد بلاده لاحتضان المبادرات والمشاورات التي تصب في هذا الاتجاه، مع التشديد على تمسك تونس بمبدأ الحياد والوقوف على مسافة واحدة من مختلف الأطراف الليبية، إلى حين الوصول إلى تسوية تلبي تطلعات الليبيين.ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الجغرافي لتونس وعلاقاتها المباشرة مع ليبيا، فضلًا عن استضافتها خلال الأشهر الماضية عددًا من اللقاءات المرتبطة بالمسار الأممي والجهود الإقليمية الرامية إلى دعم التسوية السياسية.
اجتماع «المصغّر» في صدارة التحرك الأممي
ويأتي اللقاء بعد يوم واحد من اجتماع أعضاء «التجمع المصغّر» في تونس، الأحد 4 أكتوبر، وهو الاجتماع العاشر منذ إطلاق مشاوراته في أبريل الماضي، والثاني منذ توقيع اتفاق 30 أغسطس المرتبط بمسار خارطة الطريق الأممية.وركز الاجتماع الأخير على تداعيات الانقسام داخل المؤسسة القضائية على العملية الانتخابية، مع تأكيد المشاركين ضرورة معالجة هذا الانقسام بما يحافظ على استقلال القضاء ويبعده عن التجاذبات السياسية، بما يضمن نزاهة الانتخابات وقبول نتائجها على نطاق واسع.
كما جدد المشاركون التزامهم بتنفيذ اتفاق 30 أغسطس، وإدماج مخرجات المشاورات اللاحقة ضمن حزمة واحدة في إطار دستوري شامل، مع الاتفاق على مواصلة التواصل مع مختلف الأطراف الليبية لتوسيع قاعدة الدعم للاتفاق.وكان «التجمع المصغّر» قد أنهى في أغسطس مناقشاته المتعلقة بأولى محطات خارطة الطريق الأممية، حيث جرى التوصل إلى مشروع اتفاق بشأن استكمال ترتيبات إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وتعديل الإطار الانتخابي، قبل استكمال الترتيبات التنفيذية والإعلان عن الاتفاق.
ماذا تريد الأمم المتحدة من خارطة الطريق؟
وتتحرك بعثة الأمم المتحدة في ليبيا وفق خارطة طريق أعلنتها الممثلة الخاصة هانا تيتيه، وتركز على الانتقال من إدارة المراحل الانتقالية المتعاقبة إلى مسار يقود إلى انتخابات عامة وتوحيد مؤسسات الدولة.
وتقوم الخارطة على ثلاثة مسارات رئيسية: إقرار إطار انتخابي قابل للتطبيق سياسيًا وسليم فنيًا لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وتوحيد المؤسسات من خلال حكومة موحدة، وإجراء حوار مهيكل يتيح مشاركة أوسع لليبيين في معالجة قضايا الحكم والاقتصاد والأمن والمصالحة.
وبحسب الرؤية التي طرحتها البعثة الأممية، فإن هذه المسارات مترابطة، إذ يتطلب الوصول إلى انتخابات قابلة للتنفيذ معالجة الإشكالات المتعلقة بالإطار القانوني والمؤسسات الانتخابية، إلى جانب توفير بيئة سياسية وأمنية ومؤسساتية أكثر استقرارًا.
وفي يونيو الماضي، اختتم الحوار المهيكل أعماله بعد إصدار أكثر من 525 توصية تتعلق بتهيئة الظروف للانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة ومعالجة جذور الصراع، ضمن مسارات شملت الحوكمة والاقتصاد والأمن والمصالحة وحقوق الإنسان.
تونس والجزائر ومصر.. مسار إقليمي موازٍ
ولم يقتصر الدور التونسي على دعم جهود البعثة الأممية، إذ شدد النفطي خلال لقائه تيتيه على أهمية آلية التشاور الثلاثي التي تجمع وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر، باعتبارها إطارًا للحوار وتنسيق المواقف بشأن سبل دعم التسوية السياسية في ليبيا.
وتتبنى الدول الثلاث مقاربة تقوم على دعم حل سياسي شامل ومستدام يحفظ وحدة ليبيا وسيادتها، مع التأكيد على أهمية استمرار التنسيق مع الأمم المتحدة والشركاء الإقليميين والدوليين.
وكانت تونس قد استضافت في يناير 2026 اجتماع وزراء خارجية الدول الثلاث بحضور هانا تيتيه، فيما عقد اجتماع آخر للآلية في القاهرة خلال مايو الماضي، حيث شددت الدول المشاركة على ضرورة اعتماد مقاربة شاملة للأزمة الليبية لا تقتصر على الجانب السياسي أو الأمني، بل تمتد إلى الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية.
بين الدعم الإقليمي والعقد الليبية
ويأتي التحرك التونسي في وقت تحاول فيه الأمم المتحدة البناء على ما تحقق خلال الأشهر الماضية، إلا أن الطريق أمام العملية السياسية لا يزال مرتبطًا بقدرة الأطراف الليبية على تجاوز الخلافات التي عطلت الانتخابات السابقة وأبقت البلاد في حالة انتقال سياسي طويل.
فالخلافات بشأن القواعد الدستورية والقوانين الانتخابية، وانقسام المؤسسات، إلى جانب التحديات المرتبطة بالوضع الأمني والقضائي والاقتصادي، ما تزال تمثل ملفات أساسية أمام أي تسوية سياسية قابلة للاستمرار.
وفي هذا السياق، لا يرتبط نجاح العملية السياسية بإجراء الانتخابات وحدها، وإنما بقدرة المسار السياسي على معالجة الانقسامات المؤسسية التي أضعفت قدرة الدولة على إدارة شؤونها وتقديم الخدمات وتحقيق الاستقرار.
مساحة للحوار أم محطة جديدة؟
ومع إعلان تونس استعدادها مجددًا لاستضافة المشاورات والمبادرات المتعلقة بالملف الليبي، تبدو البلاد مرشحة للاستمرار كإحدى ساحات الحوار الإقليمي والدولي بشأن ليبيا، خصوصًا مع استضافة العاصمة التونسية اجتماعات «التجمع المصغّر» خلال الفترة الماضية.
وأكدت هانا تيتيه، من جانبها، تقديرها للموقف التونسي الداعم للعملية السياسية التي تيسرها الأمم المتحدة، فيما أشادت باستضافة تونس اجتماعات الحوار المصغّر، وفق ما أوردته وكالة الأنباء الليبية.
كما بحث الجانبان تأثير الانقسامات وحالة عدم الاستقرار على الشعب الليبي والدول المجاورة، وأهمية دعم جهود تحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي والأمني.
بين المشاورات والتنفيذ
وفي المحصلة، يمنح الموقف التونسي الجديد المسار الأممي مساحة إقليمية إضافية للتحرك، لكنه لا يحسم العقد الرئيسية داخل ليبيا.
فاستضافة الاجتماعات وتكثيف المشاورات يمكن أن يوفر منصة للحوار وتهيئة الظروف السياسية، إلا أن تحويل هذه التحركات إلى انتخابات وتوحيد للمؤسسات سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف الليبية على تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات تنفيذية.وبينما تواصل الأمم المتحدة تحركها عبر خارطة طريق متعددة المسارات، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرة الأطراف الليبية على تجاوز مرحلة إدارة الخلاف والانتقال إلى مرحلة تنفيذ التفاهمات، بما يضع حدًا لدورة الانتقال السياسي ويفتح الطريق أمام بناء مؤسسات موحدة ومستقرة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية