منصة الصباح
تفتح بالزحمة… وتغلق بالصمت: لماذا تنهار المقاهي والمطاعم سريعًا في ليبيا؟

تفتح بالزحمة… وتغلق بالصمت: لماذا تنهار المقاهي والمطاعم سريعًا في ليبيا؟

استطلاع ..طارق بريدعة

لماذا تبدأ المقاهي والمطاعم في ليبيا بنشاط ثم تتراجع وتُغلق؟

في كل مدينة ليبية تقريبا، تظهر مقاهٍ ومطاعم جديدة تحمل أسماء عصرية وديكورات جذابة، وتفتتح وسط ازدحام لافت وحضور كبير. لكن بعد أشهر قليلة، يبدأ الركود تدريجيا، ثم تختفي هذه المشاريع بصمت، أو تُعرض للبيع، أو تُغلق أبوابها نهائيا.

هذه الظاهرة لم تعد حالات فردية، بل تحوّلت إلى نمط متكرر يدفع أصحاب المقاهي والمطاعم للتساؤل: هل المشكلة في السوق الليبي نفسه؟ أم في ارتفاع التكاليف؟ أم في ضعف القدرة الشرائية؟ أم في عوامل أخرى لا تُقال علنا؟

يبدو أن موجة المقاهي والمطاعم دخلت مرحلة اختبار حقيقي؛ فالسوق لم يعد يحتمل مشاريع تُبنى على الحماس وحده، بل يحتاج إلى تخطيط وإدارة دقيقة في ظل اقتصاد متقلب، وارتفاع مستمر في تكاليف التشغيل، وتراجع واضح في القدرة الشرائية. وبين مشروع يفتح “بالضوء” ويغلق “بالصمت”، يبقى السؤال: هل المشكلة في أصحاب المشاريع أم في البيئة الاقتصادية التي لا تساعد أي مشروع على البقاء طويلًا؟

بدايات قوية… ثم ركود مفاجئ
يقول وسام أبوظهير، صاحب مقهى في منطقة باب بن غشير:

“في أول شهرين كان المكان ممتلئًا طوال اليوم، والناس تأتي بدافع التجربة والفضول. لكن بعد ذلك بدأت الأعداد تتراجع تدريجيا، ومع ارتفاع المصاريف لم يعد المشروع قادرا على تغطية التكاليف”.

ويضيف أن أكبر مشكلة واجهته لم تكن في الزبائن وحدهم، بل في “الالتزامات الثابتة” التي لا تتغير حتى مع انخفاض الدخل، مثل الإيجار ورواتب العاملين وفواتير التشغيل.

ويتحدث بأسى: “هل تصدق أن سعر الباقيت واللفائف وصل إلى 25 دينارا؟ لأول مرة في حياتي أشاهد هذه الأسعار. أنا ما زلت أقاوم، لكن في نهاية كل شهر، بعد دفع الإيجار ومرتبات العاملين، لا يتبقى لي إلا ثمن كروتي ومصروفي العادي. الأمر زاد عن حده… وربّي يسهل”.

القدرة الشرائية تتراجع… والمقهى يتحول إلى رفاهيةيرى اقتصاديون أن الركود الذي يشتكي منه أصحاب المقاهي والمطاعم مرتبط بشكل مباشر بتراجع القدرة الشرائية للمواطن الليبي. فارتفاع أسعار الغذاء والسلع الأساسية خلال السنوات الأخيرة دفع كثيرا من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وتقليل الإنفاق على ما تعتبره “كماليات”، مثل تناول الطعام خارج المنزل أو الجلوس في المقاهي.

التراخيص ليست المشكلة… لكن الأسعار تُسقط المشاريع ورغم ما تصفه جهات رسمية بتسهيلات إدارية في إجراءات منح “إذن المزاولة” للمقاهي والمطاعم، يؤكد أصحاب مشاريع أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الترخيص بقدر ما ترتبط بتكاليف التشغيل المتصاعدة وارتفاع أسعار المواد بشكل يومي، وهو ما يجعل رأس المال يتآكل سريعا حتى قبل أن يستقر المشروع على وتيرة عمل ثابتة.

وفي هذا السياق، يقول محمد الناعم المتحدث الرسمي باسم الحرس البلدي لمنصة الصباح إن الواقع يشهد “إغلاق مقهى أو مطعم يوميا تقريبا من قبل القائمين عليه”، وفي المقابل تظهر مشاريع جديدة باستمرار “يصعب حصر أعدادها”.

ويضيف أن حملات التفتيش التي ينفذها الحرس البلدي لا تضع الرخصة في مقدمة الأولويات بقدر ما تركز على معايير الصحة العامة والنظافة:

“لا نغلق المقهى أو المطعم بسبب عدم وجود ترخيص، وإنما نتدخل عندما تكون هناك مخالفات تتعلق بالنظافة أو ما يمس صحة المواطن”.

من جهته، يوضح عادل العربي من وزارة السياحة أن إجراءات منح إذن المزاولة “سهلة وواضحة”، وتتطلب عقد إيجار أو إثبات ملكية، إضافة إلى تجهيزات العمل المطلوبة وإجراءات العاملين. وأضاف أن لجنة مختصة تخرج للكشف على الموقع قبل منح الإذن، مؤكدا أن الوزارة “غير مخولة بالإغلاق أو تحرير المخالفات”، وأن دورها يقتصر على الكشف وإصدار إذن المزاولة، بينما تتولى جهات أخرى إجراءات الإغلاق أو المخالفات.

الدعم الحكومي… بين المبادرات والواقع

رغم اعلانها المسبق أكدت حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا دعم المشاريع الصغرى والمتوسطة عبر مبادرات مثل مبادرة “انطلاقة” (2025)، التي تستهدف تمويل الشباب وأصحاب الحرف ورواد الأعمال، بما يشمل قطاع الخدمات والمقاهي والمطاعم. وتركز هذه المبادرات على توفير التمويل وتسهيل إجراءات التراخيص للمشروعات متناهية الصغر والصغيرة لتعزيز الاقتصاد المحلي.

ومن أبرز ما أعلنته الجهات الحكومية في هذا السياق:

إطلاق مبادرة “انطلاقة” لتمويل المشروعات الصغرى ومتناهية الصغر.

برامج تمويل لتوفير سيولة نقدية للمشروعات الصغيرة والمتوسطةومنح تراخيص مؤقتة مجانية لتسهيل بدء أعمال المشروعات.

وهذا هدف عام يتمثل في دعم الاقتصاد المحلي والحد من البطالة. لكن في المقابل، يرى أصحاب مشاريع أن الاستفادة الفعلية من هذه المبادرات لا تزال محدودة، بسبب الالتزامات المالية المرتفعة، وواقع السوق المتقلب، وارتفاع التكاليف، وهو ما يجعل استمرار المشاريع الصغيرة والمتوسطة تحديا يوميا.

إحصائيات القطاع في طرابلس

وفقا لبيانات وزارة السياحة الليبية الصادرة في فبراير 2025 ، يوجد 3350 مطعما ومقهى مسجلاً لديهم ، بالإضافة إلى 202 فندق، وهي إحصائيات تخص المنشآت المرخصة رسميا لدى مكتب السياحة طرابلس، وتشير إلى أن العاصمة تشهد انتعاشا نسبيا في هذا القطاع كمتنفس اجتماعي.

التحدي الأكبر.. الإيجارات المرتفعة

يبقى ملف الإيجارات أحد أبرز التحديات التي تواجه أصحاب المقاهي والمطاعم، إذ تبدأ الإيجارات في بعض المناطق من 1500 دينار شهريا وتصل إلى 25 ألف دينار في المواقع الحيوية، ما يزيد الضغط على المشاريع الصغيرة ويجعل استمرارها أكثر صعوبة.

ارتفاع تكاليف التشغيل… والدولار يضغط على المكونات

لا يتوقف الأمر عند الإيجار فقط، إذ تشهد المواد الأساسية المستخدمة في المقاهي والمطاعم ارتفاعا متكررا، خاصة تلك المرتبطة بسعر الصرف، مثل القهوة والشوكولاتة وبعض أنواع الأجبان واللحوم والمشروبات.

ويقول محمد فرج صاحب محل لبيع مستلزمات المقاهي والمطاعم إن أسعار المستلزمات شهدت قفزات واضحة خلال فترة قصيرة، موضحا أن سعر البن ارتفع من نحو 60 دينارا إلى 100 دينار، فيما قفز سعر صندوق شوكولاتة “نوتيلا” من 450 دينارًا إلى 740 دينارا.

وأضاف: “نحن لا نتحكم في الأسعار… الدولار هو الذي يتحكم”.

“لا أستطيع رفع الأسعار”… صاحب مقهى يحاول الصمود يشير الفرجاني، صاحب “مقهى الفرجاني للسندوتشات”، إلى أنه لا يستطيع رفع الأسعار بسهولة رغم ارتفاع تكلفة المواد. ويقول “لا أستطيع رفع ثمن السندوتشات التي اعتاد زبائني شراءها، سواء كانوا أفرادا أو شركات. عليّ أن أتحمل الفرق في ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن والمشروبات من هامش الربح. لكن إذا استمر هذا الارتفاع لأشهر مقبلة سأضطر لرفع الأسعار حتى يستمر العمل.

مطاعم الأسماك… معادلة أصعب

من جهته، يقول وليد المغربي المدير التنفيذي لمطعم “الروبيان” لبيع الأسماك، إن أصحاب المطاعم يواجهون مشاكل مركبة تتعلق بالأسعار والدفع والتكاليف.

ويضيف:

“نحن كمطعم لبيع الأسماك نشتري الأسماك يوميامن البحارة، وهم لا يتعاملون مع الدفع الإلكتروني ويبيعون لنا بالكاش، بينما أغلب الزبائن يشترون بالبطاقة”.

ويشير إلى ارتفاع أسعار الأسماك بشكل كبير:

“اليوم أصبح سعر بعض أنواع الأسماك يصل إلى 110 دينارا للكيلو. كم سأبيع أنا للزبون؟ نحن من أفضل المطاعم في طرابلس، وهناك من يأتي لجودة وجباتنا، لكن هناك أيضًا من يأتي للسعر… وأنا لا ألوم رب الأسرة. مائة دينار لا تكفيه لشراء وجبة تكفيه وتكفي أسرته”.

ويختم:

“خفضنا نسبة الربح من 50% إلى 25%، ولا يزال الوضع لا يناسب ما ندفعه من مصروفات. إذا استمر الحال على نفس الأسعار سنضطر لقفل المطعم كبقية المطاعم”.

“الأرباح لا تغطي المصاريف”… شهادة من مشروع صغير

يوضح محمد عريبي، صاحب مقهى صغير في حي الأندلس، يبيع القهوة وبعض السندوتشات، أن عمل المقاهي والمطاعم متعب، والأرباح في كثير من الأحيان لا تغطي المصروفات.

ويقول:

“هناك من تكون مبيعاته محدودة، وهذه المبيعات لا تغطي الإيجار والمرتبات، نظرا لارتفاع الأسعار يوميا. بالفعل هي ترتفع يوميا سواء كانت اللحوم أو بقية مستلزمات المقهى. من وجهة نظري الدولة مطالبة بدعم مثل هذه المشاريع لأن أغلب الشباب لا يملكون عملًا أو دخلًا إلا من هذه المشاريع”.

من “مشروع ناجح” إلى “فرع واحد” فقط

أما إيهاب الدبار، صاحب سلسلة مطاعم “جعجع” للبيتزا والسندوتشات، فيؤكد أن موجة الغلاء دفعت الكثير من المشاريع إلى تقليص نشاطها أو الإغلاق.

ويقول:

“عندما بدأت أول مطعم لي كان سعر سندوتش الشاورما لا يتجاوز 5 دنانير والربح فيه جيد. اليوم سعر الشاورما يتجاوز 13 دينارا ومع ذلك الربح ضئيل”.

ويضيف:

“أقفلت كافة فروع مطاعم جعجع الستة وأبقيت على فرع واحد، نتيجة ارتفاع أسعار المواد التي لم تعد لصالح صاحب النشاط”.

المواطنون: الأسعار لم تعد منطقية

وفي جولة ميدانية شملت مقاهي وسط المدينة وبن عاشور وباب بن غشير، عبّر عدد من المواطنين عن استيائهم من الارتفاع المستمر في أسعار الوجبات والمشروبات داخل المقاهي والمطاعم، معتبرين أن الخروج لتناول وجبة أو حتى شرب قهوة أصبح أمرا “غير ضروري” أمام ضغط المعيشة.

يقول سراج عبدالجليل، الذي التقيناه في أحد مقاهي وسط المدينة:

“زمان كنت نطلع كل يومين أو ثلاثة، اليوم حتى القهوة اللي كانت بسيطة ورايقة ولّت محسوبة. الأسعار ارتفعت بشكل كبير، وفي نفس الوقت الخدمة مرات ما تغيرتش”.

أما معتز البراني، الذي التقيناه في مقهى بمنطقة بن عاشور، فيرى أن المشكلة لم تعد في “الزيادة” فقط، بل في أن الأسعار أصبحت غير منطقية مقارنة بدخل المواطن:

“مرات تلقى ساندويتش أو وجبة بسيطة بسعر قريب من مرتب يوم كامل. المواطن اليوم أولوياته واضحة: البيت، المواصلات، الأكل الضروري… والمقهى صار آخر حاجة”.

ومن جهته، قال أيمن بن عروس، الذي التقيناه قرب أحد المقاهي في باب بن غشير، إن كثيرا من الناس لم تعد تقاطع المقاهي بسبب الغلاء فقط، بل بسبب شعور عام بأن الزيارة لم تعد تستحق التكلفة:

“الناس تبي تقعد وتغيّر جو، لكن لما تحسبها تلقى إنك بتصرف مبلغ كبير على قعدة بسيطة. حتى العائلات صاروا يتجنبوا الخروج للمطاعم إلا في المناسبات”.

دائرة مغلقة… تنتهي بالإغلاق

رغم أن هذا التحقيق يرصد عوامل متعددة تقف خلف موجة تراجع المقاهي والمطاعم في ليبيا، من ارتفاع تكاليف التشغيل إلى تراجع القدرة الشرائية، فإن انعكاس الأزمة لا يتوقف عند أصحاب المشاريع فقط.

فالتكاليف التي تُنهك ميزانيات المطاعم والمقاهي تنعكس تدريجيا على قائمة الأسعار، لتتحول الوجبات والمشروبات إلى عبء إضافي على المواطن. وفي ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، بات كثير من الليبيين ينظرون إلى تناول وجبة خارج المنزل كخيار مؤجل، لا لأن الرغبة غائبة، بل لأن الأسعار أصبحت – في نظرهم – أعلى من قدرتهم على الاحتمال.

شاهد أيضاً

عودة 1.3 مليون نازح للخرطوم وسط تحذيرات أممية من تفاقم الأزمة

عودة 1.3 مليون نازح للخرطوم وسط تحذيرات أممية من تفاقم الأزمة

سجلت ولاية الخرطوم في السودان عودة أكثر من مليون وثلاثمائة ألف نازح في أكبر موجة …