منصة الصباح
أحلام محمد الكميشي

بين السيادة والتسليم.. لا جريمة دون ملاحقة قضائية

أثارت قضايا تسليم متهمين ليبيين إلى الولايات المتحدة الأمريكية جدلًا قانونيًا وسياسيًا وشعبيًا واسعًا، يتعلق بحدود السيادة الوطنية، وشرعية الملاحقة الجنائية خارج الإقليم، ودور التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب.

من الناحية القانونية، تُعدّ السفارات، وفقًا للأعراف الدولية، امتدادًا لإقليم الدولة الموفِدة، وتتمتع بحرمة خاصة، مما يجعل الاعتداء عليها اعتداء مباشرًا على سيادة الدولتين الموفدة والمضيفة. كما يتمتع الدبلوماسيون بحماية وحصانة كاملة بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية الصادرة تحت مظلة الأمم المتحدة، والتي تلزم الدولة المضيفة بحمايتهم وضمان سلامتهم.

وبناءً على ذلك، فإن أي هجوم على سفارة أو بعثة دبلوماسية، خاصة إذا أدى إلى مقتل دبلوماسيين، يُعد جريمة دولية خطيرة، وليس مجرد جريمة محلية. ويُصنَّف مرتكبو هذه الأعمال كمجرمين بموجب القانون الدولي، وتُفتح أمام الدول المتضررة صلاحيات واسعة لملاحقتهم قضائيًا، استنادًا إلى مبدأ الاختصاص الجنائي خارج الإقليم، والاختصاص العيني، بل وأحيانًا الاختصاص العالمي، إضافة إلى قوانين مكافحة الإرهاب.

نظريًا، تتبنى جميع الدول مبدأ يعتبر أن الاعتداء على دبلوماسييها هو اعتداء على الدولة ككل، غير أن القدرة على تنفيذ الملاحقة والقبض والمحاكمة وإنزال العقوبة، تختلف عمليًا تبعًا لاختلاف القوة، التأثير الدولي، وطبيعة الظروف وساحة الجريمة. ويؤثر هذا التفاوت في شكل الملاحقة والقبض ونطاقهما القضائي والأمني والسياسي.

ويقرّ القانون الدولي بحق ليبيا في محاكمة المتهمين داخل أراضيها أو رفض تسليمهم، استنادًا إلى مبدأ السيادة وقاعدة “إمّا أن تحاكم أو تسلّم”. لكن هذا الحق يرتبط بواجب ملزم: إجراء محاكمات فعلية وعادلة، تنفيذ الأحكام، التعاون القضائي الدولي، تسهيل التحقيقات، تبادل الأدلة، وحماية الشهود، والاستجابة لطلبات الإنابة القضائية دون تأخير. فالسيادة الحقيقية لا تبدأ عند مجرد رفض التسليم، بل عند القدرة على إنفاذ القانون، حماية الدولة، ومحاسبة من انتهك شرفها واعتدى على ضيوفها ومرَّغ سمعتها.

منذ 2013، توالت عمليات القبض والاعتقال وسط احتجاجات متباينة، بينما الفوضى الداخلية، الانقسام السياسي، وانتشار السلاح في دولة ما زالت خاضعة جزئيًا لقرارات مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع، خلقت قناعة لدى المجتمع الدولي بعدم قدرة البلاد على تحقيق العدالة كاملة، ما جعل التسليم غالبًا خيارًا عمليًا مقدمًا على الحق في المحاكمة، ليس لتقويض السيادة، بل لضمان تحقيق العدالة وحماية المصالح المحلية والدولية على حدٍ سواء.

 

أحلام محمد الكميشي

شاهد أيضاً

​الدبيبة يطلق استراتيجية "100 يوم" لإصلاح القطاع الصحي وي

​الدبيبة يطلق استراتيجية “100 يوم” لإصلاح القطاع الصحي ويفتتح 20 مرفقاً طبياً

​شهد رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، إطلاق وزارة الصحة لاستراتيجية “100 يوم” لأولويات …