في ذاكرتنا عقود طويلة من الضنك الذي أثقل كاهل أبائنا وأجدادنا، والفقر الذي قيد الأحلام والجهلِ الذي حجب نور المعرفة، والمرض الذي لم يكتف بأن يُرهق الأجساد، وامتد ليحصد الأرواح بصمت موجع، تقف بلادنا اليوم على عتبة مرحلة مختلفة ولكنها مشابهة للذاكرة، مرحلة قد تُقاس بما كان، ولكن بالتأكيد ليس بما يجب أن يكون. لقد مرت أجيال كاملة وهي تُكابد نقص الدواء، وغيابَ الطبيب، وفقدان المرافق الصحية، ومرارة الانتظار الطويل بين الألم والأمل. ولم تكن المعاناة فردية كانت وجعًا عامًا، لا تكاد تخلو منه أسرة، ولا ينجو منه بيت. كانت الصحة حلمًا مؤجلًا، وحقًا غائبًا، وكرامة مُهدرة في زحام الحاجة والعجز. واليوم وليبيا بما حباها الله من ثروات بشرية واعدة، وخيرات نفطية هائلة، وموقع جغرافي متميز، تقف أمام مسؤولية تاريخية لا تقبل التأجيل ولا التردد. فالثروة الحقيقية ليست فيما تختزنه الأرض من نفط، إنما فيما تحمله العقول من علم، وما تنبض به الأجساد من عافية، وما يعيشه الإنسان من كرامة صحية حقيقية.
إن الصحة التي تستحقها بلادنا ليست مجرد مستشفيات تُشيد، ولا أجهزة تُشترى، ولا أدوية تُستورد، بل هي منظومة متكاملة تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه. منظومة تُبنى على أسس العدالة، وتُدار بالكفاءة، وتُحكم بالشفافية، وتُوجه بالاحتياج الحقيقي، لا بالمصالح الضيقة ولا الحسابات المؤقتة. الصحة التي تستحقها بلادنا هي صحة في متناول كل فرد، تصل إلى القرى كما تصل إلى المدن، بلا تمييز ولا فجوات. صحة تواكب التقدم العلمي والتقني والتكنولوجي، وتستثمر فيه لصالح الإنسان لا على حسابه. صحة تتحقق فيها الكفاءة والكفاية والاكتفاء، فلا عجز في الموارد، ولا هدر في الإمكانيات، ولا ارتهان للخارج. وهي صحة الاستجابة والاستعداد والجاهزية القادرة على مواجهة الطوارئ والأزمات، وصحة الاستدامة التي لا تنقطع خدماتها ولا تضعف مع الزمن، وصحة الجودة العالية التي تُقاس بمعايير صارمة، وتُراجع باستمرار، وتُحسن بلا توقف. وهي كذلك صحة شاملة، لا تقتصر على علاج المرض وتمتد لتغطي جميع المحددات الصحية والاجتماعية والحضارية، من تعليم وبيئة وغذاءٍ وسكن وثقافة وسلوك. صحة تصنع إنسانًا متوازنًا، ومجتمعًا معافى، ودولة قادرة. هي أن لا يخاف مريض من تكلفة العلاج لأن العلاج حق مكفول، وأن لا يضيع وقت إنسان بين أبواب مغلقة وإجراءات معقدة، وأن يجد كل مواطن الخدمة التي تليق بإنسانيته، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب. هي أن نعيد بناء التعليم الطبي على أسس علمية راسخة، وأن نُعيد الاعتبار للكادر الصحي، طبيبًا كان أو ممرضًا أو فنيًا، ليس فقط بتحسين دخله، بل بتمكينه وتدريبه وحمايته وإشراكه في صنع القرار. هي أن نُقيم نظامًا صحيًا لا يعتمد على رد الفعل بل على الاستباق، ولا ينتظر المرض ليعالجه إنما يسعى لمنعه ويرصد مخاطره، ويستثمر في الوقاية كما يستثمر في العلاج. وهي قبل كل ذلك أن نؤمن أن الصحة ليست قطاعًا فهي أساس كل القطاعات، وأن الإنسان المعافى هو حجر الزاوية في أي مشروع تنموي حقيقي. إن بلادنا لا ينقصها المال ينقصها الترتيب، ولا تعوزها الإمكانيات هي تحتاج إلى الإرادة، ولا تفتقر إلى الكفاءات بل إلى بيئة تُنصفها وتُطلق طاقاتها. لقد آن الأوان أن نُغلق صفحة الألم الممتد، ليس بالنسيان، بل بالبناء، وأن نحول الذاكرة الثقيلة إلى دافع للإصلاح، وأن نُشيد نظامًا صحيًا يليق بتاريخنا، ويستجيب لحاضرنا، ويؤمن مستقبل أجيالنا. صحة ترضينا ويتمناها العالم، وتُقاس عليها التجارب، ويُحتذى بها كنموذج حي على أن الإرادة حين تصدق، تُحول الألم إلى أمل والتحديات إلى إنجاز. فالصحة التي تستحقها بلادنا ليست ترفًا بل حق وليست حلمًا بعيدًا إنما مشروعًا ممكنًا، إذا صدقت النوايا، وصح المسار.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية