في وقت تبحث فيه الشعوب عن مرابط لهويتها في مواجهة عولمة زاحفة، تبدو الإجابة أحياناً كامنة في «نوتة موسيقية» أو تسجيل نادر نجا من طيّ النسيان. هذا ما سعى المركز القومي لبحوث ودراسات الموسيقى العربية إلى استعادته في ندوته الأخيرة المعنونة بـ «جدلية الفن والهوية»، متخذاً من إرث الفنان الراحل بشير فهمي مختبراً تحليلياً لفهم كيف يمكن للموسيقى أن تعبر الحدود دون أن تفقد «جواز سفرها» الأصلي.
لم يكن بشير فهمي مجرد فنان عابر في الذاكرة الليبية، بل كان ظاهرة فنية عابرة للحدود نجحت في صهر التجربة التونسية والليبية في بوتقة إبداعية واحدة.
المحاضرة التي قدمها الأستاذ أحمد دعوب بمسرح «كاظم نديم» لم تكتفِ بسرد السيرة الذاتية، بل غاصت في كيمياء الهوية الفنية، موضحة كيف استطاع فهمي أن يحمل البصمة الليبية إلى قلب الساحة التونسية، ليتحول من مجرد مغنٍ إلى جسر ثقافي أكد أن الأغنية أقوى من الجغرافيا في ترسيم الروابط الإقليمية.
وتجلت القيمة الحقيقية للندوة في الكشف عن تسجيلات نادرة، لم تكن مجرد استعادة لعبق الماضي، بل وثيقة فنية تؤكد أن التراث الغنائي يمثل الركيزة الأساسية لخصوصية الشعوب.
ومن خلال مقارنة تحليلية دقيقة بين الألحان التي قدمها في البلدين، أوضح دعوب كيف حافظ فهمي على الروح الوطنية في ألحانه، حتى وهو يغني في مناخات فنية مغايرة، مما جعل أعماله حصناً للذاكرة المجتمعية ضد الاندثار.
أما النقاش الذي أعقب الندوة، فقد تجاوز حدود الإشادة إلى الدعوة لمأسسة أرشفة التاريخ الفني. ويرى مختصون أن توثيق مسيرة رواد مثل بشير فهمي ليس عملاً أرشيفياً فحسب، بل هو حجر الأساس في بناء ما يسمى بـ «الأمن الثقافي».
إن قراءة هذا النتاج برؤى نقدية حديثة تمثل الضمانة لتحويل الذاكرة الموسيقية من مجرد أطلال إلى وقود لإبداع معاصر يدرك جذوره ويستشرف مستقبله
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية