حاوره: طارق القزيري
في هذا الحوار مع بشير بلاعو، نقترب من ليبيا عبر بوابة نادرا ما تؤخذ بجدية: الثقافة بوصفها مقياسا لصحة المجتمع، لا زينته. من “بيت صبراتة الثقافي” كرهان عملي على الفعل، الى الجنوب كذاكرة ورمز، الى الاعلام الليبي كساحة تتنازعها المعارك والممول والهوية… نحاول تفكيك سؤال واحد: ماذا يبقى من البلد حين تتراجع اللغة، وتنتصر الغريزة، ويصير الفن اخر خطوط الدفاع عن المعنى؟
-
وصفتم الثقافة بأنها “الرهان الحقيقي للتغيير” في واقع تجاوز رهانات السياسة والاقتصاد، ما الذي يجعل الرهان على الثقافة رهاناً رابحاً ومستداماً، وكيف يمكن قياس “أرباحه” في مجتمع متشظ؟
بما كان أكثر صوابا، أو إن شئت، بصيغة أكثر دقة، فإن” التغيير الحقيقي، رهانه الثقافة”، أما التبديلات الطارئة وتعديل المواقف حسب بوصلة المصلحة، وتحت أي ظرف، فلا يعد تغييرا.
التغيير الحقيقي، هو ما صار يتمظهر في سلوك ثابت إلى حد كبير، وينسجم تماما مع مضمونه. ولا أريد القول أن الثقافة هي الرهان الرابح الوحيد، ولكن أي الرهانات نجحت حتى الآن في إنقاذ الوطن من الهوة التي اندفع، أو دفع إليها.

لقد تم تجريب كل شيء، تقريبا، سلما وحربا، فما زاد الحال إلا خطوات أخرى نحو تشظ جديد، فالسياسيون ونوادي كرة القدم لا يجتمعون إلا خارج الوطن الذي يدعون تمثيله، والعسكريون لا يجتمعون إلا تحت الراية الأممية، ورجال المال و الأعمال لا يجتمعون إلا على حلب البقرة.
مشهد ليبيا المرجوة لا يعكسه اليوم إلا البسطاء من الناس، والمثقفون الذين يتنقلون، ويلتقون، ويتحاورون، دون صلف ولا إقصاء. مهرجانات المسرح، والأغنية، والملتقيات الثقافية، ومعارض الكتب، والمناهج الدراسية التي، على تخلفها، فقط، ما تزال تذكر أن ليبيا هي بلد واحد.
-
مفهوم “النكوص” الذي طرحته دقيق ومؤلم. بعيداً عن السياسة، كيف يتجلى هذا النكوص في بنية التفكير والسلوك الاجتماعي في ليبيا اليوم، وما هو “المصل” الثقافي الذي يمكن أن يحصّن المجتمع ضده؟
نكوص فكري، واجتماعي، قد يكون غير مقارن، وغير مسبوق، ربما اجتاح المجتمع الليبي، ولن تستطيع، هنا، الإفلات من قبضة السياسة، فالجيل الذي أبصر النور في عشرية الستينات والذي تلاه خلال تسعينات القرن الماضي، تم تربيتهما على مقولات وضعت الشخصية الليبية في بالون ظل يرتفع في فضاء بلا سقف، ما أفضى لانسلاخ القوة الفاعلة للمجتمع عن حقائق التاريخ، ومعطيات الواقع، فنحن ( شعب صعيب عناده .. ) ونحن ( العظمى )، ونحن ( الحل النهائي )، فلا غرابة إذا في صلابة حالة العناد التي تتملكنا، وادعاء كل منا امتلاكه الحقيقة كاملة، ودون الآخر. لم يعد للحوار آذن تصغي، ولا للبلد حكماء، ولا للقبائل، ولا حتى للعائلة كبير، ولم يعد ( لحبال السو بير ). لم تعد للجيرة حرمة، أفراد، وعائلات، ومدن. لم تعد للمرأة حصانة، هي فقط موضوع للتندر، والتنمر، وهدف للقتل، حتى بلا جريرة. لم تعد لحياة الطفل قيمة، لقد صار سند مساومة، وورقة تهديد وابتزاز، وحتى أولئك الذين ظننا أنهم تربوا على نشيد ( إنقاذ ليبيا ) تكشف الحال أنهم ليسوا سوى ضباع استباحت المال العام. من المؤسف، والمؤلم جدا، أن المجتمع الليبي قد دخل حالة مرضية، قد تكون مستعصية، فلا أمل في مصل وقاية، وإنما تستلزمه حملة علاج.

-
انتقدت إعلام “المعارك” الذي يعكس واقعاً منقسماً. كيف يمكن للإعلامي أن يكسر هذه المرآة المشوهة ويقدم صورة جامعة، دون أن يُتهم بالمثالية أو الانفصال عن الواقع الذي يعيشه الناس؟
حين يدرك المشتغلون بالإعلام، وصناع المحتوى منهم، على نحو خاص، أن عملهم يرتقي لمصاف المهن الضميرية، كالتعليم والصحة، والقضاء. وحين يستقر في وعيهم أن الكلمة، إن شئت، هي معول هدم، وإن أردت، هي ساعد بناء. وأنك إن لم تحدث إلا بما سمعت، وقد محصته، ولم تبلغ إلا بما رأيت، وقد ثبت لديك، فقد تكون دخلت حلقة قول الزور.
المثل الشعبي الشائع (الكذب في المصالحة يجوز) صاغه أجدادنا، وسيظل يجري على ألسنة الناس كناية عن التشبث بما هو صالح، وبما في ذلك الصالح العام. إن هذا لا يعني السكوت عن الحق، أو تزييف الواقع، ولكن المصداقية لا يعكسها صدق القول وحده، وإنما سلامة القصد أيضا.
-
مسيرتك هي انتقال من “صوتٍ” يصف الواقع عبر الشاشة، إلى “يدٍ” تبني واقعاً جديداً في “بيت صبراتة الثقافي”. هل هذا الانتقال هو تطور طبيعي أم هجران لأداة (الإعلام) فقدت جدواها في نظرك؟
كما لكل مقام مقال، فإن لكل مرحلة ظرفها، ولكل مهنة، أو حتى مجرد انشغال مؤقت بأمر ما، أداته. وفي ظني أن العبرة، وحتى الأهمية، لا بالوسيلة، وإنما بمضمون ما تحمله، وبتقديري فإن مدى الشغف الذي يتملكك، هو ما يصنع الفارق بين أن تكون أمام عدسة التصوير وناقل الصوت أو في خضم اجتهادات” بيت صبراتة الثقافي”.
وعلى أهمية الوسائل التقليدية، كالراديو، والتلفزيون، والصحف السيارة، حتى قبل أقل من عقدين، بالنسبة لمسألتي الوصول و الانتشار، فإن وسائط، ومنصات التواصل الاجتماعي، اليوم، تقدم بديلا، ربما، أكثر فعالية في تحقيق ذات الهدف.
-
“موسم الرحلة إلى الجنوب” عرّف الليبيين على جغرافيّتهم المجهولة. في زمن الاغتراب الداخلي، ما هو “الجنوب” الرمزي الذي يحتاج الليبيون إلى اكتشافه اليوم، وما هي زاد هذه الرحلة؟
لا أقول أن” موسم الرحلة إلى الجنوب”، عرف الليبيين على جغرافية وطنهم، ولا أظنهم كانوا ينتظرون برنامجا تلفزيونيا ليلقوا نظرة على شيء من مجاهله.

الليبيون سبقوا عجلات الدفع الرباعي، فارتحلوا جنوبا، مشيا على الأقدام، وعلى ظهور الإبل، طورا للتجارة، وطلب الرزق، وآخر اندحارا أمام الغزاة، فالجنوب، تاريخيا، مرتبط لدى الليبيين بالأمن، والتحرر من قبضة المستعمر، أو الحاكم، فيما لا تروي أمواج البحر سوى قصص الغزو، وعذابات النفي.
( موسم الرحلة إلى الجنوب )، قد يكون، حتى تاريخه، أكثر المحاولات التي كتب لها النجاح في الكشف عن مواطن السحر وثنايا الجمال، في بيئة، وعبر مفازات، أكثر ما اشتهر عنها الجدب، والعطش، والمهالك، وحتى أساطير الجن، وملوك عوالم الخفاء، بين الكهوف والوديان.
الجنوب، ومنذ ما يناهز ثلاثة أرباع القرن، هو كسرة خبز الليبيين، ولأكثرهم هو اليوم، أيضا، قارورة الماء.
-
صبراتة هي مكان “يولد فيه صدى التاريخ من الحجارة”. كيف يمكن لمشروع ثقافي معاصر أن يتجاوز كونه مجرد “صدى” للماضي، ليصبح صوتاً حياً يخاطب أسئلة الحاضر والمستقبل؟
صبراتة هي إرث حضاري يتجاوز ما قاوم عوامل الطبيعة، ومعاول الزمن. وربما لكونه الملمح الأبرز، أو الأثر الذي ظل قائما، جاز نعت صبراتة بكونها مكان” يولد فيه صدى التاريخ من الحجارة”، ولكن المسرح الرخامي المهيب، وأعمدة المرمر السامقة، وساحات الفسيفساء، والحمامات، والمعابد، والأزقة، والأسواق، والبيوت، جميعها كانت تضج بنبض الحياة، وتتدافع في أرجائها الأقدام و الأجساد، وتعلو في أنحائها أصوات الباعة، ووقع أقدام الجند، وما تلهج به ألسن الخطباء، وتجود به قرائح الشعراء.
ولولا أنها كانت حاضنة للثقافة، جاذبة للأدباء، والكتاب والشعراء، لما عثر بها على أقدم نص روائي كامل، عبر التاريخ هو ( تحولات الجحش الذهبي )، الذي نقل الراحل، علي فهمي خشيم، واحدا من ترجماته الإنجليزية، وعنونه بدفاع صبراتة. صاحب” الجحش الذهبي”، الجزائري المولد، الأثيني التعليم، الليبي الهوى، اتخذ صبراتة مستقرا، ومحترفا لعمله الروائي خلال القرن الثاني الميلادي، فكيف لا تكون، في القرن الواحد والعشرين، موئلا للثقافة، والفنون، والآداب.
وسواء بالنسبة لمدينة صبراتة، أو أي من المدن الليبية، فإن الحراك الثقافي بأي منها، هو بمثابة عملية الاحتراق الداخلي بالمحرك.. المركبة لا تسير من دونه، وتتوقف بغير استدامته.
-
إذا كانت اللغة وحدها لا تكفي للتعارف الإنساني، والفنون هي البديل، فما هي “الأبجدية الفنية” التي نحتاجها اليوم لكتابة قصة مصالحة وطنية حقيقية في ليبيا؟
اللغة، وحدها، لا تكفي للتعارف الإنساني. هي وسيلة لها أهمية قصوى، ولكن التعبير بالفنون، ومنها الإشارة، هو أسبق، تاريخيا، عن التعبير باللسان، والفنون، إجمالا، لم تعد مجرد أشكال من التعبير، وطرق التواصل، لقد صارت صناعة لها قواعد، وتستقطب استثمارات ضخمة، وتحقق عوائد تزيد بكثير عن تلك التي قد تعود على صناعات أخرى.
وما تزال تطرق سمعي جملة أطلقها أحد محاضرينا بواشنطن ( مايو 2010م ) وكنت يومها رفقة عدد من رؤساء القنوات، و منتجي، ومخرجي البرامج التلفزيونية، ضمن برنامج الزائر الدولي، الذي تنظمه وزارة الخارجية الأميركية، حين قال أن ما يناهز، وقد يعدل ثلثي دخل الولايات المتحدة الأميركية، مصدره منتجات الفنون.
الموروث الليبي من الفنون، لا تكفي سانحة كهذه،و لا حتى سلسلة مؤلفات، للإحاطة بحجم ثراءه، وتنوع ألوانه، وجمال أشكاله، وبلاغة، وقوة مضامينه. ويقف وراء كل ذلك مجتمع ومكونات مجتمعية تتصف بالإخلاص لهذا الموروث، وترتبط بمفرداته أيما ارتباط، وهو ( أبجدية الليبيين المشتركة )، ولعل ذلك من شأنه توفير أثمن الفرص لصياغة رسائل تستند مضامينها وتنسج قوالبها من وحيه.

-
بين صوتك كإعلامي رسمي وصوتك كمؤسس ثقافي مستقل، كيف كنت تدير الصراع الداخلي بين “اللسان” الذي كان عليك استخدامه و”الضمير” الذي كنت ترغب في التعبير عنه؟
الإعلام الرسمي، حتى وإن لا يترك لك مساحة للرأي، أو حتى مجرد إبداء وجهة النظر، إلا أنه، بالمقارنة مع الانفلات الحاصل الآن، يبدو أكثر انسجاما مع نفسه.
تعيبه المبالغة، والصياغات الفضفاضة، و الإصرار على أن يعكس صورة الحاكم، والدولة، والوضع القائم، وحتى الماضي الذي سبقه، والمستقبل الآتي، جميعها، على النحو الذي يراه النظام نفسه، لا كما يراها المتلقي، والجمهور عموما لديه.
في ضوء ثورة الاتصالات، وإطلاق الشبكة العنكبوتية، وعولمة كوكب الأرض، فإن الإعلام الرسمي، مع استثناءات قليلة، بات شيئا من تراث الماضي. ولكن لا يمكن إنكار أن من نجوم الإعلام وأقطابه الكبار، على المستويين العربي والدولي، ظهروا، وحازوا شهرتهم، وعلى كواهلهم كلكل الإعلام الرسمي. ولا أدري إن كان يمكنك اليوم، عبر العالم كله، يمكن أن تعثر على جهاز إعلام مستقل، أو حتى يمكن أن يتصف بالنزاهة، متى ما تعاطى مع أمر يتعلق بالمصلحة الوطنية العليا لبلده، أو حتى مع قضايا إنسانية، لها حسابات في النزعة السياسية لسلطات البلد ذات العلاقة.
-
لو كنت تضع “الشفرة الجينية” لإعلام ليبي جديد، ما هو الجين الأساسي الذي يضمن مناعته ضد “فيروس الممول” والاستقطاب السياسي الذي تحدثت عنه؟
سواء كان الإعلام، أو أي عمل عام، فإنه لا مناعة، ولا منعة، إلا أن تستقر في القلب ليبيا، ويدين الضمير لتقوى الله.
-
بالنظر إلى رحلتك، هل ترى ماضيك الإعلامي مجرد “مقدمة ضرورية” لحاضرك الثقافي، أم أنك تشعر بالحنين إلى زمن كان فيه الصوت الواحد قادراً على أن يجمع الملايين؟
ما من أحد، في ظني، يقدر على فصل ماضيه عن الحاضر، فكل ما هو لاحق يستند على ما سبق، و هكذا هو البناء، وتلك هي طبيعة الأشياء. ليس هذا حكما قاطعا، فكثير من الناس شهدت بداياتهم تعثرا، وارتباكا، وربما بلغت حد الانحراف، أو انغمست فيه. ولكن، وكما أن باب التوبة لا تغلق مصاريعه، فإن تعديل المسار، ومعاودة توجيه البوصلة نحو حياة أعلى قيمة، وأهدافا أكثر أهمية، هي أشياء في المتناول تداركها، متى ما صلحت الفكرة، وخلصت النية.
بالنسبة لي، حتى وإن كنت أؤمن أن الماضي مضمر في الحاضر فأنا لا أتماها مع الأمس، ولا أتعلق بأهدابه، ولا أرى إلا أن يتعلق المرء بمستقبله، فهو ما يمكن التأسيس له، أما الماضي فقد صدر الحكم بشأنه.
قد يكون من المهم أن تمتلك صوتا يجمع أكبر عدد من الناس، ولكن الأهم من ذلك، بنظري، أن يكون صوتك فاعلا، متفاعلا ومتناغما مع ما تصنعه جوقة الملايين.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية