منصة الصباح
الاذاعي بشير بلاعو: الثقافة هي الرهان الحقيقي للتغيير... والإعلام الليبي ما يزال يبحث عن معارك

الاذاعي بشير بلاعو: الثقافة هي الرهان الحقيقي للتغيير… والإعلام الليبي ما يزال يبحث عن معارك

حوار /حنان علي كابو

في صبراتة، حيث يلتقي البحر بالآثار، ويُولد من الحجارة صدى التاريخ، نشأ صوت ظل يرافق أذن المستمع الليبي عقودًا طويلة. الإذاعي القدير بشير بلاعو ليس مجرد مذيع مخضرم، بل شاهد على تحولات الإعلام والثقافة في ليبيا، وصاحب تجربة غنية امتدت بين الميكروفون والكاميرا والبيت الثقافي. في هذا الحوار الأدبي–الإعلامي، نستعيد معه محطات من رحلته، ونسائل ذاكرته، وننصت لصوته الداخلي الذي ظل مشغولًا بالثقافة والإبداع حتى وهو يتقاطع مع السياسة والإعلام.

الحاجة الداخلية للفعل الثقافي

لو لم تُولد فكرة “بيت صبراتة الثقافي“.. ما الذي كنت ستفعله بهذه الحاجة الداخلية إلى الفعل الثقافي؟

حقيقة، فاجأني هذا السؤال، فأنا لا أتصور ألا أكون منشغلا بشأن ثقافي ما، ربما تقدم القراءة، تعويضا ما، وكذلك حضور الفعاليات الثقافية، على شحها في كل أنحاء ليبيا، ناهيك عنها في مدينة صغيرة كصبراتة. العمل الجمعياتي والمؤسسي يحقق للمثقف مكاسب، معنوية طبعا، أكبر، وأولها الإحساس بالمشاركة، كما أن العمل الثقافي في حد ذاته يقوم على مبدأ الجماعية، ولا يمكن لحالة (الطير الذي يغني وجناحه يرد عليه) أن توصف بالعمل الثقافي حتى لو أحسن التغريد. ربما يكون جيلنا أفضل حظا بوجود خدمة الإنترنت، وهدية السيد “زوكبيرج” للإنسانية، ممثلة في تطبيق فيسبوك، على كل مثالبه.

الأجيال السابقة هي التي ابتكرت فكرة الجمعيات الثقافية إلى جانب الصالونات الأدبية التي حاز بعضها شهرة واسعة، وكذلك إلحاق النوادي الرياضية بمحتو ثقافي. ولكن تلك الحلول كانت أكثر دفئا، وإنسانية، إن جاز التعبير، حتى وإن قل بها حجم التفاعل والتبادل. بالنسبة لي، ربما كنت سأواصل العمل حتى يولد بيت صبراتة الثقافي، ولا أدري إن كان من قبيل المبالغة القول إن الفعل الثقافي هو حاجة حياتية للمجتمع كله، وليس احتياجا داخليا خاصا وحسب.

الثقافة: رهان التغيير الحقيقي

الثقافة اليوم… هل ما زالت قادرة على إحداث تغيير؟ أم أنها ترف جميل نؤجله كل مرة؟

التغيير الحقيقي هو ما تحدثه الثقافة، ما يتم من تغيير، سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي، سيتم النكوص عنه في أول سانحة، إن آجلا أم عاجلا، إذا لم يكن وراءه واعز أمله حالة ثقافية استقرت في الوعي والإدراك. الثقافة هي الرهان الحقيقي لإحداث التغيير، وأنا هنا أتحدث عن المسائل القيمية. أما التغيير الذي ينجم عن ظرف ما، أو قوة قاهرة، أو فساد على أي مستوى من المستويات التنظيمية لحياة وعلاقات الفرد والمجتمع، فذاك لا يعد تغييرا بقدر ما هو انهيار لأشياء عدة من بينها الثقافة. الذين يعدون الثقافة ترفا هم أولئك الذين لا يرغبون بالتغيير، وإما للمصلحة، أو نتاجا للعجز، لا يتورعون عن معاداة التغيير ومناهضة الثقافة.

الاذاعي بشير بلاعو
صوت المدينة وولادة البيت الثقافي

ما الفكرة التي سكنتكم أولًا.. اسم البيت؟ أم صوت المدينة وهي تهمس: “آن للثقافة أن تعود”؟

صبراتة، ككل مدن حوض المتوسط تقريبا، وربما كافة مدن العالم التي تشابهت ظروف ظهورها، تأسست إضافة لعوامل اقتصادية وجغرافية وتاريخية لا تخفى، كنتاج لثقافة هوى المغامرة، وركوب الموج وحب الترحال، وهي ثقافة، وإن حازت شهرتها لدى الفينيقيين والإغريق والرومان، إلا أنها تنسجم تماما مع الفطرة الإنسانية لبني البشر بوجه عام. لقد جعل الله الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا. التعارف بين الشعوب والقبائل لا يتم بواسطة اللغة وحدها، فاللغة هي على رأس قائمة متشعبة متشابكة من القيم والمعاني والوسائل والأساليب والأشكال والتعابير الثقافية، التي قد تجمعها، أو تجمع غالبيتها، ما اصطلح عليه بالفنون والآداب.

(لوكيوس أبوليوس) الذي ولد بالجزائر، ودرس بأثينا، وحل بطرابلس خلال القرن الثاني الميلادي، ليستقر في صبراتة، فيؤلف بها أول نص روائي مكتمل عثر عليه حتى الآن، تومئ ملحمته، في جانب منها، إلى تلك الفطرة الإنسانية التي جبل الله عليها سلالة آدم، عليه السلام. وتصنع من جانب آخر قيدا أخلاقيا على مدينة صبراتة، تحديدا، بأن يهتم أهلها بالأدب، ويشتغلون بالثقافة.

الهاجس الإعلامي الذي لا يزول

ما الشيء الذي ظل يسكنك إعلاميًا رغم تغير الشاشات والمناخات والمراحل؟

على المستوى الخاص أن يكون هناك سبيل مؤسسي، إن جاز التعبير، لإعداد وتأهيل كل راغب في الجلوس أمام عدسة التصوير، أو خلف ناقل الصوت، وفق قواعد مهنية، ومناهج تدريب تجعل منه شريكا حقيقيا في العملية الإعلامية، لا عبئا عليها.

أما على المستوى العام فأنا دائم التطلع لأن يعكس الإعلام صورة الحكومة كما يراها الناس لديهم، لا كما ترغب الحكومة أن ترى صورتها لدى الناس.

مراجعة الأرشيف الإعلامي

سؤال: حين تنظر إلى أرشيفك الإعلامي، ما الذي تتمنى لو أنك لم تقله؟ أو قلته بشكلٍ آخر؟

لا أدري إن كان يجوز أن ترد مثل هذه التمنيات على الذهن. واقعيا، ما يكون قد تم بثه على الأثير، لم يعد في حسابات ما تملكه، ومن المؤكد أنه يطاولك أثره، ولكنه بات في عداد (الملكية العامة)، ولذا من المهم جدًا أن يتحسب الإنسان بشكل عام، والمشتغل من الناس بالإعلام، على نحو خاص، لكل ما يقوله، وما يقدمه، خاصة في إطار ما يمكن أن يعد رأيا أو معلومة أو تزكية. ويمكن إيجازها، مجتمعة في واحد من المعايير التي ينبغي أن تحكم العملية الإعلامية برمتها، وهو مبدأ الشفافية.

بالنسبة لي، قد يرى كثيرون في الوقت الحاضر أن نزرا غير قليل مما قدمته لم يكن ليفيد الناس، ولكني أؤمن في قرارة نفسي أن ذلك بالذات هو ما كنت أعمل ما بوسعي على التزامه، والعمل بموجبه، وفي كل الأحوال فلا أظنني، في تلك المرحلة من تجربتي وخبرتي، سأقدم شيئا أفضل.

الفتى الذي يسكن الداخل

هل ما زال فيك ذلك الفتى الذي كان يدهش الناس بحكايات الجنوب وحروف المعرفة؟ أم أن الزمن أعاد تشكيلك؟

لا يمكن إنكار أن للزمن سطوته، وحتى وإن ظل الشغف بداخلك كامنا، فلابد من أشياء تحركه، بعضها ذاتي، وبعضها يصنعها المشهد، ولكن الزمن لا يعيد تشكيلنا بقدر ما يزيد في توفير الظروف الأنسب لذلك. وعلى سبيل المثال، فإنه بقدر ما قد يزيد من خبراتنا، ويحسن أداءنا، فإنه قد يحرمنا فرص أخذ المبادرة. فإذا رأيت أني بت أكثر امتلاك لتقنيات تشد المتلقي، فربما اكتشفت في ذات الوقت أني صرت أقل تحمسا للظهور والمشاركة.

لو لم تكن إعلاميًا.. من كنت ستكون؟

راويًا؟ مؤرخًا؟ شاعرًا؟ أم رحّالة ضلّ طريقه إلى الكاميرا؟

من دون تردد، مدرسا للتاريخ، وباحثًا في فصوله وثنايا وقائعه، ولا أبالغ إن قلت أني لا أجد متعة تعدل أن يكون بين يدي مؤلف يسرد ما جرى عبر العصور.

السير والتراجم، ووصف البلدان والمعارك، ودسائس الحكم، وقصص الفروسية، حتى من قبيل سير المخيال الشعبي كالتغريبة الهلالية، وأدب الرحلات كروبنسون كروزو، كانت هي ما يجلسني لساعات طوال بين رفوف مكتبة المركز الثقافي الذي كان يحتل كامل الدور الأول من مبنى بعدة طوابق يجاور مكتب (كامل حسن المقهور المحامي) بالظهرة، منذ منتصف عقد الستينات، حتى مطالع النصف الثاني من عقد السبعينات من القرن الماضي، حين تم إغلاقه بموجب تعاليم (الثورة الثقافية!).

وما زلت أذكر كيف استغرقني طويلاً مطالعة (دراسة التاريخ) المؤلف الأشهر للمؤرخ البريطاني “أرنولد توينبي”، الذي تتوزع أجزاءه بين اثني عشر مجلدًا.

برنامج يتحدث عن صاحبه

: أي برنامج من برامجك تشعر أنه تحدث عنك أكثر مما تحدث عن ضيوفه أو مواضيعه؟

هو السلسلة الوثائقية (موسم الرحلة إلى الجنوب) الذي قدمته بمعية الصديق، المصور المخرج الجميل سعد الدين عقيل. وعلى بعد نحو أربعين عامًا من تاريخ بث أولى حلقاته على شاشة التلفزيون الليبي، فإن معظم من ألتقيهم اليوم، سرعان ما تستحضر ذاكراتهم صورًا ومواقف من مشاهدات فريق البرنامج عبر مناطق شاسعة من الصحراء الليبية.

وأستطيع القول أن ذاك البرنامج، أو إن شئت، صحراء ليبيا ومفازاتها، هي من رسمت لي الصورة الذهنية التي يحملها الناس عني، بكل تقاطيعها، وهو دين أقدره، وقد يستحيل علي وفاؤه.

ضيف غيّرك من الداخل

هل مرّ عليك ضيف، في برنامج من برامجك، غيّرك من الداخل دون أن يشعر؟

لا أدري إن كنت سألتقي بكل تلك الشخصيات التي دخلت، كل بمكانته وعمله ومواقفه، كتب التاريخ، لو أن الخطى، لسبب أو آخر، لم تقدني إلى مبنى التلفزيون الليبي بشارع الشط وخلفه وكالة الأنباء الرسمية، فقضيت بينهما كل حياة الوظيفة بدءًا من عام 1981م.

هل كنت سألتقي الملك الحسن الثاني أو الرئيس الشاذلي بن جديد، أم المناضل الرئيس ياسر عرفات، أم الزعيم نيلسون مانديلا، أو فيصل الياسري، أم الصادق النيهوم، وفؤاد الكعبازي، وهل كنت سأجري حوارات مع كامل المقهور، وعلي مصطفى المصراتي، وعبد العزيز المقالح، وعبد الله البردوني، ومحمد مزالي، ومحمد ازواوا، وحسن السوسي، وأحمد فؤاد نجم، وفاروق حسني، ودريد لحام، وغيرهم؟

ولكني أتوقف مطولًا أمام شخصية الأديب والمؤرخ الراحل خليفة التليسي، لقد كان، رحمه الله، أيقونة علم غزير وتواضع جم، وما زلت أذكر أني استضفته ضمن شخصيات برنامج رمضاني ثقافي قدمته تحت عنوان عام هو “من سير الأقلام”. لقد أدركت يومها أن الإنصات إليه قد لا يتوقف عن التأثير في نظرتك لكثير من الأشياء، وإنما قد يغير مواقفك تجاه كثير منها.

الإعلام الليبي بين الحلم والواقع

الإعلام في ليبيا… هل هو واقع هارب من الحلم؟ أم حلم مخنوق بالواقع؟

صديق لي، كان من وجوه المشهد الإعلامي التونسي وتقلد مناصب رفيعة في دوائر مؤسسته الرسمية، حدثني ذات مرة أنه حين تسلم خطاب تكليفه بإدارة إحدى قنوات الراديو التي تبث من مدينة بالجنوب التونسي، أواسط الثمانينات، كان مرفقًا بتوجيه مستديم ينص على ضرورة العمل بتنسيق وثيق مع موجات الأثير الجهوية الأخرى على استعادة أذن المستمع التونسي المنكبة، حينذاك، على بث الإذاعة الليبية (اليتيمة) تقريبًا.

ما أراه في الوقت الحاضر لا يعكس رغبة الإعلام الليبي في إحداث تغيير، أو حتى تأثير ما، بقدر ما يبحث عن معارك.

ما أردت تغييره وما لم تجرؤ على تغييره

ما الذي حاولت تغييره عبر الإعلام وفشلت؟ وما الذي لم تحاول تغييره وندمت؟

لا أذكر أني كنت أحاول القيام بتغيير ما، ولا أظنني معني بذلك، فما كنت وما زلت أرومه، هو المساعدة على إحداث تأثير أرجو أن يقود لتبدل في التوجه العام نحو مسألة بعينها.

وتداركًا لما قد يشوب هذا القول من غموض، سأذكر لك أني، وفريق “موسم الرحلة” كنا نتهيأ لمغادرة (تهالة) التي يظللها (كاف الجنون) نحو غات، فإذا بسيارة دفع رباعي تحمل لوحة هيئة سياسية تتوقف بمحاذاة مركبتنا في فناء المبنى الحكومي الوحيد بالقرية، التي لا تعدو عن كونها تجمع سكني لبضع عشرات من العائلات الليبية ذات الأصول الطوارقية، في معظمها.

ولأنها كانت قد أمطرت مبكرًا خريف ذلك العام، فلم نجد منهم أحدًا، فقد ارتحلوا بماشيتهم إلى حيث تجمعت مياه السيول، وربما ظلوا هناك حتى تمطر بتهالة، فيعودون إلى قريتهم في العام التالي.

سيارة الهيئة السياسية تلك كانت تقل السفير الإسباني بطرابلس، وكان على موعد مع نظيره لدى الجزائر، ليلتقيا بمدينة غات المحاذية تقريبًا للحدود الليبية–الجزائرية.

قد أعود يومًا للحديث عن تلك السانحة، ولكن بعض ما سيظل عالقًا بذهني من حديث الدبلوماسيين الأوروبيين بتلك البقعة القصية من ليبيا، هو ما لم يكتمه أحدهما حين قال: “أراكم تتهافتون على السفر إلى كثير من بلدان العالم، في حين أن العالم لو كان يعلم بما لديكم لجاء كله إليكم.”

وما تزال ليبيا هي المعرض الأضخم مساحة والأكثر غنى باللقي الأثرية، وشواهد رحلة الإنسان عبر التاريخ، وما تزال أيضًا مقطعة الأوصال، متباعدة المسافات، ذات بيئة طاردة لمن فيها. فما بالك بمن يفد إليها؟ ليبيا الجميلة لا تستحق منا كل هذا القبح.

الحياد… وهم أم مهارة؟

هل كنت يومًا محايدًا؟ أم أنك فقط أتقنت فن التوازن؟

كل وسيلة إعلام، حول العالم، لها سياسة تحريرية، هي بمثابة البوصلة التي تحدد توجهها، وتحكم أداءها، وبالتالي فإن القول بالحيادية، وحتى التوازن، هو أمر لن تعكسه معطيات الواقع. ربما تلعب المهنية والموضوعية قدرًا مهمًا في التوصيف ولكنهما لا يمسان جوهر الموضوع.

بالنسبة لي، ولكل من عمل من جيلي بقطاع الإعلام الرسمي، لم تكن لدينا المساحة، ولا الإمكانية، للوقوف على الحياد، أو حتى إبداء القدر اللازم من الموضوعية، ولا أرى أن الأمر اختلف كثيرًا، فالإعلام الليبي، حاضرًا، ما يزال يقدم صورة (الممول)، أيا كانت صفته، على نحو ما يحب أن يراها هو لدى الناس.

محطات

ما الكتاب الذي شعرت أنه كان يصفك دون أن يذكرك؟

إن انتفخت أوداجي، فسأشير إلى “محطات” الراحل الكبير، وأحد رواد القصة الليبية، الأستاذ كامل حسن المقهور، رحمه الله. وربما لأني ترعرعت في (مقطع الحجر) بحي (الظهرة)، وتورمت قدماي الحافيتين مرارًا بوسعاية النخلة (الحديقة الخلفية لبيت المقهور الكبير)، وتلوت ما تيسر في مناسبات دينية كثيرة، بين قبور (سيدي بوكر)، وتسللت مرات عدة لقاعة (سينما الكورسال)، لاسيما حين يكون ملصق الإعلان عن الفيلم تحمل صورة “جوليانو جيما”، أو تكون بارزة على جانب من الملصق عبارة vietato minori di 18 anni.

وربما لأن كامل المقهور، طيب الله ثراه، كان يكتب عن البسطاء من الناس، وعمن عاش بينهم في (الظهرة) تحديدا، فصرت كلما أعود لقراءة سيرته (شبه الذاتية) على حد وصفه، أجدني كما لو كنت عشت بعض فصولها.

جيل جديد يدخل المهنة

ماذا تقول في داخلك وأنت تشاهد جيلاً جديدًا يدخل المهنة دون أن يعرف شيئًا عن مكتبة البرامج التي قدمتها؟

لاعتبارات الموضوعية، لا التواضع، سأتنحى هنا جانبا لأشاركك التساؤل عما إذا كان يجوز لهذا الجيل أن يعبر للمستمع والمشاهد من دون أن يتزود، مثلا، بما قدمه الفنان الجميل الراحل جابر عثمان، رحمه الله، في مجال برامج الطفل، وما صاغته موهبته الفذة من كلمات وشدت به حنجرته من ألحان، كيف للديك الملون ألا يعيش أجيالًا وأجيالًا؟

كيف يمكن التجاوز عن تجربة عبد الفتاح الوسيع، رحمه الله، وتقنيات سرده لوقائع الحرب العظمى، فتخاله يصف مشاهد صمود (ستالينجراد)، كما لو كانت المدينة تنهض للتو من تحت أقدام جيوش النازي ومدافعهم؟

وكيف لا يتأمل مصورو (الموبايل) وحتى (الدرون) كوادر سعد الدين عقيل، وهو يراها بعين عقله (السينمائي) حتى قبل إظهار الصورة لدى معامل التحميض، في حين تجعلك عدسة (الفيديو) اليوم على تماس مباشر مع الصورة حتى قبل التقاطها؟

وكيف يمكن تجاهل ما أبدعته ملكة ربط الصورة بمؤثرات الصوت لدى عز الدين عبد الكريم، فلا يجلس مخرجو المنوعات ليتأملوا ذاك الحس المنفرد لديه في جعل الصور تنطق بلا شفاه؟

والقائمة تطول وتطول، ولعل يومًا يأتي قريبًا للحديث عن أولئك الذين اصطبغت، بإبداعاتهم، ذائقة جيلين كاملين تقريبًا من الليبيين. ولكن كل هذه الحماسة لجيلي لا ينبغي أن تُغْمَط حق ثلة من شباب لا تملك إلا أن تنحي إعجابًا واعترافًا بمواهبهم، وتمكنهم من أدواتهم.

إرث الإبداع والموسيقى والذاكرة

هل تؤمن بأن الإعلامي يمكن أن يترك إرثًا؟ أم أن صوته يضيع بمجرد أن تُغلق الشاشة؟

الإبداع، لا يحبسه مكان، ولا يتوقف عند زمن، حتى وإن صار أثرًا بعد عين، بل إن الأثر، في كثير من الشواهد، صار تأثيره أقوى مع تقادم الزمن، ومع فارق التشبيه. فلا أخالك مللت أم كلثوم، إن كنت من عاشقيها، وهي التي رحلت عن عالمنا منذ نصف قرن بالتمام والكمال، ولا أظنني سأتوقف يومًا عن سماع فيروز.

شاهد أيضاً

ليبيا على أعتاب صفقة نفطية ضخمة 

ليبيا على أعتاب صفقة نفطية ضخمة 

 في خطوة استراتيجية نحو تعزيز قطاع الطاقة، تقترب ليبيا من إبرام صفقة كبرى لتطوير حقل …