منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

الوصفة بين العلاج والكارثة

ليست كل الوصفات علاجًا، كما ليست كل الأدوية شفاء.

فالوصفة في جوهرها ليست مجرد كلمات يخطها طبيب على ورقة بل وثيقة علمية وأخلاقية وقانونية وإنسانية تختزل تاريخ المريض ومسؤولية الطبيب ومنظومة كاملة من المعرفة والتشخيص والتقدير والتوقع.

إنها حلقة دقيقة في سلسلة تبدأ بالفهم وتنتهي إما بالشفاء أو أحيانًا بالمضاعفات أو حتى الكارثة.

والوصفة الطبية لها شروط صارمة في من يكتبها وكيف تُكتب وما الذي يجب أن تحتويه وكيف تُصرف، ومن يراقب تنفيذها.

فهي ليست مساحة للاجتهاد غير المنضبط، ولا مجالًا للتجريب العشوائي، ولا أداة تجارية أو دعائية.

إنها فعل علمي أخلاقي تحكمه معايير صارمة في الدقة والوضوح والمصداقية، لأن الخطأ فيها ليس خطأً إداريًا بل قد يكون خطأً قاتلًا.

إن الطبيب الذي يكتب الوصفة لا يكتب دواءً فقط بل يكتب قرارًا يمس حياة إنسان.

لذلك لا يكفي العلم وحده بل تلزم الخبرة والحكمة والنزاهة والقدرة على تقدير الفروق الفردية للمريض في حالته الصحية وظروفه الاجتماعية وقدرته على الالتزام بالعلاج، وحتى بيئته الثقافية والنفسية.

فالوصفة الناجحة ليست فقط صحيحة علميًا بل مناسبة إنسانيًا.

وفي المقابل المريض ليس متلقيًا سلبيًا للوصفة بل شريك في فهمها وتنفيذها. بمشاركته الواعية وحقه في الشرح والتوضيح، والتزامه بتعليماتها كلها عناصر أساسية في نجاح العلاج.

إن الوصفة التي لا تُشرح جيدًا أو لا تُفهم أو لا تُتابع قد تتحول من وسيلة علاج إلى مصدر خطر. غير أن أخطر ما طرأ على مفهوم الوصفة في الطب الحديث هو انزلاق بعضها من فضاء العلاج إلى فضاء التسويق.

فالوصفة الطبية التي يفترض أن تكون خلاصة علم وخبرة ومسؤولية أخلاقية دقيقة، أصبحت في بعض السياقات مدخلًا لترويج أدوية أو مستلزمات أو فحوصات أو تدخلات لا يبررها الاحتياج الطبي الحقيقي بل تحركها مصالح تجارية أو شبكات نفوذ اقتصادية معقدة.

هنا تتحول الوصفة من أداة شفاء إلى أداة استنزاف، ومن رسالة إنسانية إلى صفقة سوق.

وتتعدد مستويات هذا الخلل فقد يكون الطبيب نفسه واقعًا تحت تأثير تسويق دوائي مباشر أو غير مباشر، أو تضارب مصالح مع شركات أدوية أو مختبرات أو مصحات أو جهات تأمين.

وقد يمتد الأمر إلى المريض أو المتمارض الذي يسعى لوصفات معينة لأغراض غير علاجية، أو إلى مؤسسات تأمين تدفع نحو تضخم الفحوصات والعلاجات ضمن اقتصاد علاجي تضخمي لا تحكمه دائمًا ضرورات الصحة بقدر ما تحكمه حسابات الربح والاستدامة المالية.

ولا يقتصر مفهوم الوصفة على الطب السريري فقط فهناك نوع آخر لا يقل خطورة ومنها وصفات إصلاح النظم الصحية التي تضعها بيوت الخبرة والمنظمات الدولية والاستشاريون المحليون والإقليميون.

هذه الوصفات، رغم طابعها الإداري أو الاقتصادي، قد تحدد مصير صحة شعوب بأكملها.

والتاريخ الحديث مليء بأمثلة لدول تبنت وصفات إصلاح صحي مستوردة دون تكييف مع واقعها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فكانت النتيجة تدهورًا في العدالة الصحية وارتفاعًا في تكلفة العلاج وتراجعًا في ثقة المواطنين بالنظام الصحي.

فالنظام الصحي كالثوب لا يصلح إلا إذا فُصل على مقاس المجتمع وموارده وثقافته وتركيبته السكانية وتوقعاته من الدولة.

بل إن بعض النظم الصحية نفسها قد تقع في فخ الوصفات التنظيمية التجارية أي السياسات الصحية المصاغة تحت تأثير مصالح اقتصادية أو سياسية خارجية، فتُفرض نماذج تأمين تجاري أو خصخصة أو أنماط علاج لا تتلاءم مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، فتتحول الإصلاحات المزعومة إلى أزمات صحية جديدة، وتصبح الوصفة الإصلاحية أشد ضررًا من المرض ذاته. وهنا يظهر البعد الأخلاقي العميق للوصفة سواء كانت طبية أو تنظيمية وهل هدفها الإنسان أم السوق؟ وهل تحمي الكرامة أم تستثمر في المرض؟

وهل تعزز العدالة أم تخلق طبقية علاجية؟ إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في التكلفة المالية رغم فداحتها بل في تآكل الثقة بين الطبيب والمريض، وفي تشويه رسالة الطب، وفي تحويل الصحة من حق إنساني إلى سلعة تفاوضية.

فالطب حين يفقد بوصلته الأخلاقية يفقد جوهره، وتتحول المؤسسات الصحية إلى أسواق خدمات لا إلى فضاءات رعاية. ولهذا يصبح الحديث عن ضبط الوصفات الطبية والتنظيمية على السواء مسألة أخلاقية وحضارية قبل أن تكون تقنية أو إدارية.

فالوصفة الحقيقية يجب أن تُكتب بضمير علمي، واستقلال مهني، وشفافية كاملة في مصدر المعلومة ودقتها، وأن تُراقب ضمن منظومة تحمي المريض والطبيب معًا من ضغط السوق ومن تضارب المصالح.

والوصفة الطبية المثالية تقوم على العلم الدقيق والقيم الإنسانية والاستقلال المهني والشفافية الكاملة. وكذلك وصفة إصلاح النظام الصحي ينبغي أن تقوم على فهم عميق لخصوصية المجتمع، ومشاركة وطنية حقيقية، واستقلال القرار الصحي عن الضغوط التجارية والسياسية.

لأن الصحة ليست مجالًا للتجريب الاقتصادي، ولا ساحة للاستثمار غير المنضبط، ولا مختبرًا لنظريات جاهزة بل مساحة إنسانية عليا تتعلق بالحياة ذاتها وبالكرامة وبحق الإنسان في الأمان الصحي.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نظام صحي هو التساهل في شروط الوصفة سواء كانت دواءً لمريض أو سياسة لشعب لأن الخطأ هنا لا يكون فرديًا فقط بل قد يصبح خطأً تاريخيًا تتوارثه الأجيال.

ولهذا، فإن كل وصفة يجب أن تمر عبر غربال صارم من العلم والأخلاق والإنسانية، وأن تُفصل بعناية على واقع الناس لا على مصالح الأسواق أو إغراءات الربح أو ضغوط السياسات العابرة.

فالوصفات شأنها شأن الأدوية، منها ما يشفي ومنها ما يقتل ومنها ما يرتقي بالقيم المهنية والإنسانية ومنها ما يهوي بها إلى أدنى درجات الاستغلال.

وفي النهاية تبقى الحقيقة البسيطة العميقة أن كل وصفة لا تُكتب أولًا لمصلحة صحة الإنسان وكرامته هي وصفة ناقصة أخلاقيًا مهما بدت صحيحة علميًا أو مربحة اقتصاديًا. والطب الذي يسمح بتسليع الوصفة يفقد رسالته الإنسانية ويخاطر بأن يتحول تدريجيًا من علم شفاء إلى صناعة مرض.

لأن الوصفة في النهاية قد تكون شفاءً وقد تكون بداية مرض جديد وكارثة خطيرة.

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

انفجار قذيفة أثناء تدريب رماية جنوب مصراتة يسفر عن مقتل جندي

لقي أحد منتسبي الكتيبة 24 مشاة مصرعه، جراء انفجار قذيفة دبابة أثناء تنفيذ تدريب رماية …