منصة الصباح
بين النفط والأجانب والدولار الطائر.. المواطن حائر..!!

بين النفط والأجانب والدولار الطائر.. المواطن حائر..!!

استطلاع/ طارق بريدعة

رغم ما تمتلكه ليبيا من ثروات نفطية ضخمة، وعدد سكان لا يتجاوز ثمانية ملايين نسمة، فإن الواقع المعيشي يكشف مفارقة لافتة..

إذ تعيش شريحة واسعة من المواطنين تحت وطأة ضغوط اقتصادية متزايدة، في ظل تراجع قيمة الدينار، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتآكل القدرة الشرائية للرواتب..

ومع تصاعد موجة الغلاء، تتردد في الشارع الليبي تساؤلات متعددة حول أسباب الأزمة. ويطرح البعض سؤالًا مثيرا للجدل..هل تتحمل العمالة الوافدة، العربية أو الأفريقية، مسؤولية ارتفاع الأسعار أو تراجع جودة بعض السلع في أسواق مثل سوق الكريمية للمواد الغذائية، وسوق الدريبي للأدوية، وسوق 2 مارس للحوم، وأسواق جنزور، وسوق الأحد للخضار والفواكه؟

كما يتداول مواطنون آراء تشير إلى أن نسبة كبيرة من العاملين في بعض الشركات الليبية، التي تحظى بتسهيلات وقروض، هم من الجنسيات العربية ويتقاضون رواتبهم بالدولار، ما يثير تساؤلات حول انعكاس ذلك على سوق العمل المحلي وحجم السيولة والطلب على النقد الأجنبي..

غياب الأفق في ظل أزمات متراكمة

ويؤكد كثير من المواطنين أن صمتهم أمام هذا الواقع ليس ضعفًا ولا خوفًا، بل تعبير عن حرصهم على استقرار البلاد وتجنب الانزلاق نحو الفوضى. غير أن هذا الصمت، بحسب تعبيرهم، وصل إلى حدّ “بلغ السيل الزبى”، في ظل مشاهد يرى فيها المواطن مسؤولين يتعاملون مع الأزمة بمنطق الإغاثة المؤقتة أو التصريحات الهادئة، بينما يعيش المواطن العادي تحت وطأة الغلاء وتراجع الدخل. ويرى منتقدون أن مشهد “التصدق” على مواطن أنهكته الظروف لا يعالج جذور الأزمة، في وقت لا تبدو فيه حتى الآن بوادر واضحة لبقعة ضوء في نفق مظلم يُسمى مستقبل ليبيا..

هل المشكلة في هوية البائع أو العامل..؟

غير أن خبراء اقتصاديين يؤكدون أن اختزال الأزمة في فئة بعينها قد يغفل عوامل أكثر تعقيدا، من بينها اختلال السياسة النقدية، وتعدد أسعار الصرف، وضعف الرقابة على الأسواق، وارتفاع تكاليف الاستيراد، واعتماد الاقتصاد شبه الكامل على الخارج في توفير السلع..

وبين تضارب الآراء، يبقى السؤال الأهم هل المشكلة في هوية البائع أو العامل، أم في بنية اقتصادية تحتاج إلى إصلاحات جذرية تعالج أصل الخلل بدل البحث عن شماعات مؤقتة؟

أرقام رسمية.. وواقع مختلف

بحسب بيانات صادرة عن مصرف ليبيا المركزي، بلغ معدل التضخم نحو 2.8% مع نهاية عام 2025، وهو رقم يبدو منخفضًا نسبيًا من الناحية الحسابية..

غير أن جولة في الأسواق تكشف ارتفاعات ملحوظة في أسعار عدد من السلع الأساسية، خصوصا الغذاء والدواء..

وسجّل سعر صرف الدولار رسميا، بعد التخفيض الأخير، نحو 6.67 دينار، فيما تجاوز في السوق الموازية تسعة دنانير خلال مطلع عام 2026، مقتربًا في بعض التعاملات من 10.7 دنانير، وهو ما انعكس مباشرة على تكلفة الاستيراد وأسعار البيع للمستهلك..

شهادات من قلب السوق

– محمد بن سعد (44 عاما)، من منطقة الظهرة في طرابلس، يقول إن راتبه “لم يعد يكفي لتغطية متطلبات المعيشة اليومية”، مشيرًا إلى أن كثيرا من الأسر تلجأ إلى الشراء بالدين بعد منتصف كل شهر.

أما فاطمة الورفلي، موظفة وأم لثلاثة أطفال، فتوضح أن الأسرة باتت تضطر شهريا إلى إلغاء بند من قائمة المصروفات. وتضيف “حتى الاحتياجات الأساسية أصبحت تشكل عبئا..

ضريبة الواردات.. نقطة تحوّل

تصاعد الجدل الاقتصادي عقب قرار فرض ضريبة على السلع الموردة، وهو ما اعتبره عدد من التجار سببا مباشرا في زيادة الأسعار..

وخلال اجتماع عُقد مساء 26 فبراير 2026 بدعوة من غرفة التجارة والصناعة والزراعة طرابلس، بحضور تجار ورجال أعمال وممثلين عن الاتحاد الوطني لعمال ليبيا، والمؤسسة الليبية للاستشارات الاقتصادية، ونقل إلينا الصحفي “ادريس ابوالقاسم”، ملخص الاجتماع، خص به منصة “الصباح”،حيث طالب المشاركون بإلغاء ضريبة الواردات وإشراك القطاع الخاص في صياغة القرارات الاقتصادية، وتحقيق العدالة في منح الاعتمادات المستندية، ووضع خطة عاجلة لحماية القوة الشرائية للدينار..

 

وأكد رجل الأعمال “عبدالقادر محمد” أن السوق يشهد “حالة ركود حاد”، مضيفا أن بعض الأنشطة أغلقت أبوابها بسبب تراجع الطلب..

المصرف المركزي في مرمى الانتقادات

من جهته، يؤكد مصرف ليبيا المركزي أن إجراءاته تهدف إلى تنظيم سوق النقد الأجنبي والحفاظ على الاحتياطيات، في ظل ارتفاع الطلب على الدولار..

 

لكن المستشار المصرفي “إبراهيم الحداد”، تساءل حول آلية إدارة السياسة النقدية، فيما يرى الخبير الاقتصادي “يوسف الشين” أن جوهر الأزمة يكمن في غياب التنويع الاقتصادي، موضحًا أن “الاعتماد شبه الكامل على مورد واحد يجعل أي اهتزاز في سعر الصرف ينعكس فورا على حياة المواطن..

إنفاق مرتفع.. وخدمات محدودة

رغم مليارات الدينارات المصروفة سنويا، يشتكي مواطنون من ضعف الخدمات الصحية وتدهور البنية التحتية، خاصة الطرق التي تشهد حوادث متكررة..

 

المحاسب “محمد فريد فرحات” يرى أن الأزمة “لا تتعلق بالموارد بقدر ما ترتبط بالإدارة والرقابة”، معتبرا أن غياب الكفاءة يؤدي إلى ضعف النتائج مهما ارتفع حجم الإنفاق..

بين الغلاء والديون

بين مدينة الخمس وزليتن خص الناشط الحقوقي “نادر أبوزويتة” منصة “الصباح” بآراء عدد من المواطنين في هذا الاستطلاع، على أن أبرز التحديات الحالية تتمثل في:
-ارتفاع أسعار الغذاء، وصعوبة الحصول على السيولة أحيانا كثيرة، وضعف الخدمات، وانتشار عدد كبير من المهاجرين غير الشرعيين داخل البلاد، وكذلك تآكل الرواتب بسبب فروق سعر الصرف..

ويختصر أحدهم المشهد بقوله: “لا نبحث عن رفاهية، نريد فقط مستوى معيشة مستقرا في بلد غني بالموارد..

بين قرارات نقدية مثيرة للجدل، ومطالب تجارية متصاعدة، وضغوط معيشية يومية، يظل السؤال مطروحا حول آليات تحقيق استقرار اقتصادي ينعكس فعليا على حياة المواطنين، ويحوّل الثروة النفطية إلى تحسن ملموس في مستوى المعيشة..

شاهد أيضاً

تمسّك تركي باتفاق “2019” مع ليبيا 

جددت تركيا في رسالة للأمم المتحدة، تأكيدها التمسك بمذكرة التفاهم البحرية الموقَّعة مع ليبيا عام …