تحقيق/ عفاف التاورغي
مذ ارتفعت مآذنها لتعانق السماء في فجر الإسلام، كانت وما تزال المساجد أكثر من مجرد دور عبادة، بل شواهد حية على إرث حضاري وتفرد معماري لكل بلد من البلدان الإسلامية.
ومساجدنا في ذلك ليست استثناءً، حيث حملت – ببساطتها وفسيح صحونها ومآذنها المربعة «الأندلسية» تصوراً حضارياً نابعاً من الثقافة المحلية ومتناغماً مع بيئتها.
غير أن هذه الذاكرة تواجه اليوم خطرًا متصاعدًا، يتمثل في الإهمال والتغيير العشوائي وغياب خطط الحماية، ما جعل كثيرًا من هذه المعالم التاريخية عرضة للتآكل أو الطمس أو التشويه.
هدم وترميم تجاوز الحدود ليطمس الآثار وتغيير في الأسماء والدلالات .. مخاطر تحيق بالمساجد القديمة، وتنذر بيوم نفيق فيه على ذاكرة «دينية» ممحوة .. في ظل صرخات لا تتوقف منادية بإيجاد حلول سريعة.
إهمال بادٍ
في جولة داخل مدينة طرابلس، تتكشف ملامح واقع مقلق؛ مساجد تاريخية تُترك لمصيرها، جدران تتآكل، معالم تُطمس، وأخرى تطالها تدخلات هدم أو تغيير غير مدروس، في ظل غياب واضح لبرامج صيانة شاملة أو رقابة فاعلة من الجهات المختصة.
وهذا ما دفع «أمين المحجوب» لإعلاء الصوت محذراً من العواقب، لاسيما وأن الموضوع بالغ الأهمية ويستوجب عناية خاصة، مشيرًا إلى أن الأجيال المتعاقبة باتت تجهل مفهوم الموروث الثقافي والاجتماعي للمجتمع الليبي، في ظل انغماسها في التكنولوجيا الحديثة التي قد تسهم في طمس هذا الإرث إذا غاب الوعي.
المساجد في قلب الهوية

وتضع الباحثة في علم الآثار والتاريخ «رائدة بن حميد» هذا الملف في سياق أعمق، معتبرة أن هناك فجوة واضحة بين أهمية هذا الإرث وحجم الاهتمام به، مؤكدة أن المساجد القديمة ليست مجرد أماكن عبادة، بل شواهد حيّة على تاريخ وهوية دينية وثقافية متجذرة.
وتحذر من أن استبدال العناصر المعمارية الأصلية بمواد حديثة دون مراعاة الخصوصية التاريخية لا يُعد ترميمًا، بل إعادة تشكيل قد تفقد المكان روحه وهويته.
وتستدل في هذا الصدد بدراسات ميدانية أجريت في مدينة غريان، أبانت تحولاً لبعض الزوايا التاريخية إلى نماذج مشوهة نتيجة تدخلات غير مدروسة وغياب الرقابة، ما يثير تساؤلات حول دور الجهات المختصة.
وتؤكد الباحثة أن ضعف الوعي المجتمعي يفتح الباب أمام اجتهادات فردية غير مدروسة، قد تبدو بسيطة في البداية، لكنها تترك أثرًا بالغًا على المدى البعيد، مشددة على أن أن حماية التراث لا تقع على جهة واحدة فقط، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من وعي الفرد وتنتهي عند المؤسسات
اتهامات بأجندات خارجية

الأمر يمتد إلى أبعد من ذلك عند «سالم عاشور»، الذي يتهم «أجندات خارجية» بتحويل الشكل المعماري للمساجد القديمة، بهدف طمس تاريخ وحضارة المجتمع.
ويشير إلى أن بعض المساجد التاريخية هُدمت تحت مبررات التجديد، رغم إمكانية الحفاظ عليها عبر إنشاء مساجد جديدة بجوارها، بما يحفظ القيمة التراثية والمعمارية، على حد قوله.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية