منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

*المرجعية الصحية الأكاديمية*

حين تفقد الدولة مرجعيتها الأكاديمية في المجال الصحي، فإنها لا تفقد مجرد مؤسسة تعليمية بل تفقد بوصلتها العلمية، وذاكرتها المهنية، وقدرتها على التمييز بين الطب كعلم راسخ والطب كحرفة عابرة، وبين الصحة كسيادة وطنية والصحة كسوق مفتوح للمضاربات.

المرجعية الأكاديمية ليست لافتة تُعلق على مبنى، ولا ترخيصًا يُمنح بقرار إداري بل هي منظومة متكاملة من الجامعات الحقيقية، والمستشفيات الجامعية التعليمية، وأعضاء هيئة تدريس متفرغين، وبحث علمي أصيل، ومعايير قبول صارمة، ونظام تدريب سريري منضبط، وحوكمة علمية مستقلة. في التجارب العالمية التي بنت سيادتها الصحية لم يكن الأساس هو العشوائية أو الاستثمار غير المنضبط بل كان الرهان على الجامعة العامة القوية والمستشفى الجامعي الحقيقي.

ولم تصل ألمانيا إلى تميزها الصحي عبر مباني تجارية بل عبر منظومة جامعية عريقة ومستشفيات تعليمية متكاملة. ولم تُرسخ المملكة المتحدة نموذجها عبر سوق مفتوح بلا ضوابط بل عبر نظام عام تقوده الجامعات والمستشفيات التعليمية تحت مظلة الخدمة الصحية الوطنية (NHS).

وحتى في الولايات المتحدة حيث الحضور الواسع للقطاع الخاص، فإن مراكز الثقل العلمي والبحثي ظلت مرتبطة بجامعات كبرى ومستشفيات تعليمية راسخة، ولم تكن يومًا كيانات بلا بنية أكاديمية مكتملة. المرجعية الأكاديمية تعني أن تكون هناك جهة علمية عليا تضبط المعايير وتُقيّم البرامج، وتُرخص وفق اشتراطات حقيقية وليست شكلية، وتربط بين التعليم والخدمة والبحث في مثلث لا ينفصل.

تعني أن لا يُفتح برنامج طبي دون مستشفى جامعي معتمد، ولا يُمنح لقب أكاديمي دون إنتاج علمي، ولا يُقبل طالب دون قدرة حقيقية على تدريبه سريريًا في بيئة آمنة ومحكومة بمعايير الجودة. تعني أن تكون هناك استقلالية علمية تفصل بين القرار الأكاديمي والمصلحة التجارية، وبين التقييم العلمي والضغوط الاجتماعية والسياسية. عندما تغيب هذه المرجعية، يتحول التعليم الطبي إلى نشاط استثماري، ويتحول التدريب التخصصي إلى مسار إداري، وتتحول الشهادات إلى أوراق بلا عمق ولا معنى، ويصبح النظام الصحي كله قائمًا على أفراد لا على مؤسسات.

عندها يعتمد القطاع الخاص على كوادر القطاع العام، ويعيش على بنيته، ويستفيد من مرضاه، دون أن يُعيد إنتاج المعرفة أو يبني قدراته الذاتية. وتصبح الدولة في دائرة مغلقة تمول التعليم، وتمول الصحة، ثم تُمول من جديد عبر جيوب مواطنيها لنفس الخدمات ولكن خارج الإطار المنظم. وفي السياق الليبي تتضاعف خطورة فقدان المرجعية لأن الدولة ريعية تمول كل شيء من مورد واحد، ولأن المجتمع بأكمله هو الممول الفعلي للنظام الصحي.

حين لا تكون هناك جامعة طبية مكتملة المواصفات، ولا مستشفى جامعي حقيقي مرتبط بها، ولا هيئة تدريس متفرغة ومُعينة وفق معايير عالمية، فإن الخلل لا يكون تعليميًا فقط بل سياديًا. لأن من لا يملك مرجعيته الأكاديمية لا يملك قراره الصحي، ومن لا يملك قراره الصحي لا يملك أمنه الصحي. المرجعية الأكاديمية ليست ترفًا فكريًا بل هي خط الدفاع الأول عن جودة الطبيب، وسلامة المريض، واستدامة النظام الصحي. هي التي تُنتج العقل الناقد، وتُقوم الانحراف، وتُصحح المسار، وتمنع تمييع المعايير.

وبدونها يصبح الحديث عن إصلاح صحي كمن يبني سقفًا بلا أعمدة. والسؤال هنا هل لدينا كليات ومراكز؟ وهل لدينا مرجعية علمية مستقلة ومكتملة وقادرة على أن تقول نعم حين تتوافر الشروط ولا حين تُنتهك المعايير؟ فحيث توجد المرجعية يوجد النظام. وحيث يغيب النظام تُستبدل الدولة بالمزاج، والمعيار بالمصلحة، والعلم بالشكل.

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

مؤسساتنا تغتال الطفولة باسم الإجراءات …

إيناس إحميدة طفل في الثامنة من عمره تأخر ختانه حتى الآن، ليس بسبب الفقر أو …