ترجمة: عبدالسلام الغرياني..
خارج طرابلس، تركزت غالبية السكان الليبيين في الحواضر الساحلية؛ وبينما كانت بعض المدن تنعم بهدوء نسبي، ظل الانفلات الأمني في عام 2018 معضلة تؤرق البلاد بأسرها تقريباً. وفي أقصى الغرب الطرابلسي، على مقربة من الحدود التونسية، تقع مدينة زوارة التي يقطنها ويديرها ‘أمازيغ الساحل’، وهم منافسون لـ ‘أمازيغ الجبل’ المستقرين في جبال نفوسة بمدن مثل جادو ونالوت، والذين عُرفوا ببأسهم القتالي الذي يفوق نظراءهم الساحليين. ويُعد الأمازيغ السكان الأصليين لليبيا، وهم جزء من نسيج مجتمعي يمتد عبر شمال أفريقيا وصولاً إلى المغرب، ويُعرفون أيضاً بالبربر. ورغم اعتناقهم الإسلام عقب الفتح العربي في القرن السابع الميلادي، فقد استمسك الكثيرون باعتزاز بلغتهم وتقاليدهم الأصيلة، وإن كانت نسبة الأمازيغ ‘الأقحاح’ في ليبيا اليوم تقل عن 10% نتيجة الاندماج والتعايش.
بيد أن كافة الأمازيغ في الغرب الليبي بدوا في حالة عداء متقطع مع سكان الزنتان العرب؛ وهي خصومة ضاربة في القدم وظفها القذافي لخدمة مصالحه، قبل أن تنفجر إلى العلن بعد رحيله. ومع أن الطرفين شكلا تحالفاً إبان الانتفاضة ضد النظام، إلا أنه سرعان ما انهار تحت وطأة النزاعات الحدودية والتنافس المحموم على بسط النفوذ على معبر ‘رأس جدير’ الحدودي مع تونس، لما يدره من عوائد مالية ضخمة.
تعد الزنتان من أبرز الحواضر الثورية في الغرب الليبي، إذ تحولت عام 2011 إلى مركز أساسي للدعم الخارجي المقدم للمعارضة المسلحة. وتستمد المدينة أهميتها من قدرتها على بسط نفوذها نحو الجنوب الغربي، حيث يقع أكبر حقول النفط في البلاد، فضلاً عن إشرافها على مساحات شاسعة من الحدود مع الجزائر. وقد اضطلعت بعثة الأمم المتحدة بمهمة التوسط في النزاعات المتعددة بين عرب الزنتان وجيرانهم من الأمازيغ، وقبائل المشاشية على وجه الخصوص. وبحلول عام 2018، كانت الزنتان -التي لُقبت يوماً بـ ‘إسبرطة الجبل الغربي’- قد فقدت جزءاً كبيراً من بريقها وهيبتها اللذين حظيت بهما إبان دورها المحوري في الإطاحة بنظام القذافي، رغم استمرار بعض قواها المسلحة في إيواء سيف الإسلام. وعقب اندحار قوات الزنتان وخروجها من العاصمة عام 2014، بدأت المدينة تشهد انقساماً داخلياً؛ حيث اصطف فصيل خلف حفتر بينما آثر الآخر دعم حكومة طرابلس. ومع ذلك، وفي حالة قد تكون فريدة في ليبيا الممزقة، لم تنجر هذه الانقسامات إلى صدام مسلح داخل المدينة بفضل متانة الروابط العائلية. ويبرز الجنرال أسامة جويلي، وزير الدفاع في أول حكومة أعقبت الثورة وخصم خليفة حفتر في سجالات عديدة، كأهم الشخصيات الزنتانية ومحاوراً دائماً للبعثة الأممية.¹²
سلكنا الطريق الساحلي شرقاً من زوارة مروراً بعدة بلدات صغيرة، ومنها صبراتة؛ ذلك المعقل الفينيقي ثم الروماني القديم، الذي أوصد متحفه الأثري البديع أبوابه لسنوات طوال خشية تعرض كنوزه لنهب العصابات المسلحة الجائلة. وقد شهدت صبراتة معارك ضارية ضد تنظيم داعش في عام 2016، و ما تزال آثارها بادية للعيان في أرجاء البلدة وبين أطلالها التاريخية.
ولم يكن الطريق الساحلي يوماً آمناً بشكل كامل، إذ غلب التوتر على علاقات معظم هذه البلدات مع القبائل القاطنة في المناطق الداخلية. وفي إحدى الليالي خلال أوج حرب 2019-2020، حين توقفت الملاحة في مطار معيتيقة وتحتم علينا عبور الحدود البرية التونسية، اعترضت طريقي أنا وسلامة ثلة من الشبان المسلحين لبرهة من الزمن على المسار الواصل بين صبراتة وصرمان. وعقب مداولات فورية أُجريت في الموقع، أُفسح لنا المجال لاستكمال طريقنا باتجاه طرابلس.
من صبراتة وصرمان، يمر الطريق الساحلي عبر التخوم الجنوبية لمدينة الزاوية؛ رابع أكبر مدن ليبيا، والتي لعلها عُرفت بتعدد انقساماتها السياسية والأيديولوجية. وحينما كنا نستقصي من محاورينا عن شخصيات فاعلة في الزاوية للتواصل معها، كانت الإجابات تأتي متباينة للغاية؛ نظراً لوجود طيف واسع من المجموعات المسلحة الهجينة والعصابات (وبعضها ذو طابع إجرامي صريح) التي تتسابق للتربح من مصفاة النفط أو الاستيلاء على موارد أخرى، ولعدم قدرة أي فصيل بمفرده على الانفراد بتمثيل المدينة. وخلال الحقبة التي قضيتُها، برزت عدة أسماء من الزاوية على الساحة الوطنية، من بينهم خالد المشري؛ عضو جماعة الإخوان المسلمين الذي قضى أعواماً في سجون القذافي قبل انخراطه في العمل السياسي بعد الثورة وتوليه لاحقاً رئاسة المجلس الأعلى للدولة، وكذلك عبد الله اللافي؛ البرلماني السابق والعضو الحالي بالمجلس الرئاسي الثلاثي عن المنطقة الغربية.
ثم انتقلنا إلى جنزور؛ قرية الصيد الهادئة التي استمالت الطبقة المتوسطة العليا لتتحول إلى ضاحية راقية للعاصمة، وتضم عدداً من النوادي الشاطئية والمجمعات السكنية الفارهة المطلة على البحر، ومنها ‘بالم سيتي’ (Palm City) التي اتخذها سكنًا عديدٌ من السياسيين الليبيين والدبلوماسيين الدوليين، إضافة إلى مجمع ‘أويا’ (Oea)؛ ذلك المجمع الضخم الذي كان مخصصاً في السابق لموظفي إحدى شركات النفط، وأصبح الآن مقراً لبعثة الأمم المتحدة.
من لبدة إلى مصراتة وسرت
بالمضي شرقاً من طرابلس عبر طريق سريع متهالك، وإن كان يشي بعظمة بائدة، نمر بمدينة الخمس ومينائها الحيوي؛ حيث تنتصب آثار لبدة الكبرى الرومانية المهيبة، التي سلمت بفضل الله من دمار النزاع المحتدم منذ عقد. ومن الخمس، نجتاز زليتن لنحل في مصراتة، ثالثة الحواضر الليبية كبراً.
وقد ذاع صيت مصراتة لدورها الجوهري في انتفاضة 2011 ضد القذافي، وصدها لتحركات حفتر العسكرية عامي 2014 و2019، فضلاً عن استبسالها في دحر تنظيم داعش من سرت عام 2016. وما يتفرد به هذا ‘المعقل المقاتل’ هو مزيج من الخصائص قلما تجتمع في بقعة ليبية أخرى: ميناء يعج بالحركة ومطار فاعل، وطبقة من كبار الأثرياء الذين ما تزال أصول ثرواتهم تثير الجدل، ومجلس بلدي منتظم في عمله غالباً، مع وجود فصائل مسلحة هجينة اتسمت بالانضباط آنذاك، لاسيما عند مقارنتها بمجموعات طرابلس. وبحكم هيمنتهم على قطاع النقل البري في البلاد، سعى المصراتيون للتمدد عسكرياً نحو الجفرة والجنوب، غير أن المدينة واجهت عثرات في المناطق الجنوبية ربيع 2017 مع بدء توغل نفوذ حفتر هناك. كما نسجت مصراتة خيوط علاقات خارجية خاصة بها، لا سيما مع إيطاليا ومالطا وتركيا وقطر، الذين استقطبتهم مكانة المدينة وثقلها.
وعندما كانت مصراتة تخوض حروبها، تجلت أبهى صور قوتها في شعور طاغٍ بالتضامن الجماعي أو ما يعرف بـ ‘العصبية’؛ وهي رابطة لم تقتصر على القاطنين بالمدينة فحسب، إنما امتدت لعشرات الآلاف من أبنائها المغتربين في ربوع ليبيا. وكان ذكر مصراتة يثير مزيجاً من الغبطة والتحفظ لدى كل من تحاوره، كما أدى التنافس المحموم بين سياسييها على السلطة إلى خلق توترات داخلية خلال الفترة بين 2020 و2022، ما ولد استياءً متوقعاً لدى بقية المدن. وخلال مسيرتي، تسنى لي التعرف على قامات مصراتية بارزة، وفي مقدمتهم نائب رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق أحمد معيتيق، ووزير الداخلية فتحي باشاغا.
بالمضي شرقاً على امتداد الطريق الساحلي من مصراتة، تلوح أطلال المباني المتفحمة في مدينة تاورغاء المهجورة؛ تلك التي اضطر سكانها من ذوي البشرة السمراء للنزوح الجماعي عام 2011 إثر هجوم ضارٍ شنته مجموعات مسلحة من مصراتة في فعل انتقامي صبغه الطابع العنصري بسبب حصار مدينتهم. وبتجاوز ‘أبو قرين’، ندخل حوض سرت وصولاً إلى مدينة سرت، الشاهدة على مقتل القذافي والقريبة من مسقط رأسه، والمنصة التي أُطلق منها ‘إعلان سرت’ عام 1999 الممهد لتأسيس الاتحاد الأفريقي. و ما تزال سرت تئن تحت وطأة المآسي التي توالت عليها؛ منذ كانت العاصمة غير الرسمية للقذافي عام 2011، ثم حينما أحكم تنظيم داعش قبضته عليها عام 2016 جاعلاً منها عاصمة لـ ‘ولايته’.
وخلف سرت، تمتد منطقة ‘الهلال النفطي’ الشهيرة من هراوة حتى أجدابيا، وهي منطقة كابدوا فيها صراعات مريرة جراء هجمات شنتها فصائل مسلحة بغية الاستحواذ على المقدرات النفطية للبلاد. وتنبسط تضاريس الهلال النفطي كأراضٍ بيضاء قاحلة وساحل منبسط تتناثر فيه المحطات والمنشآت النفطية من السدرة إلى رأس لانوف والبريقة والزويتينة. أما أجدابيا، فقد تصدرت المشهد العالمي عام 2011 حين تبادلت قوات القذافي والمعارضة السيطرة عليها مراراً. وكما هو الحال في دول أخرى بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا (كالسعودية والعراق مثلاً)، تقع مناطق استخراج النفط وتصديره في ليبيا على مسافات شاسعة من مركز إدارة عوائده المالية في طرابلس.
قلب الشرق: بنغازي وما بعدها
بنغازي، ثاني أكبر مدينة في ليبيا، هي القلب غير المتنازع عليه للشرق، وهي منطقة ساد فيها واقع مختلف تماماً. فقد تعرض وسط المدينة، الذي كان يتسم بالأناقة والطراز المعماري الإيطالي الجنوبي، لدمار وحشي خلال معركة استمرت قرابة ثلاث سنوات، دارت رحاها بين ‘القوات المسلحة العربية الليبية’ ـ وهي تحالف يضم بقايا جيش القذافي وفصائل قبلية متنوعة ـ وبين جبهة تشكلت من جماعات مسلحة إسلامية متطرفة.
كان قائد ‘القوات المسلحة العربية الليبية’، خليفة حفتر، وهو (زعيم عسكري) ليبي، يسعى وراء طموح دام عقوداً لحكم بلد مولده. وعندما عاد إلى ليبيا في غمرة ثورة 2011، كان مثقلاً بـ ‘أعباء’ تاريخية جسيمة؛ فقد شارك معمر القذافي الشاب في الانقلاب الأبيض الذي أطاح بالنظام الملكي، إلا أن حبل الود بينهما انقطع عقب قتاله في عملية عسكرية فاشلة بتشاد عام 1986. وبعد أن أجلته وكالة المخابرات المركزية (CIA) من الأراضي التشادية، انخرط حفتر لفترة وجيزة في صفوف المعارضة الليبية، واستقر لأكثر من عقدين من الزمن على مقربة من مقر وكالة المخابرات المركزية في شمال فرجينيا ـ حيث نال الجنسية الأمريكية ـ قبل أن يقرر العودة إلى وطنه. وعقب سقوط القذافي عام 2011، جوبه طموحه لتولي رئاسة أركان جيش الحكومة الانتقالية بالرفض من قِبل رفاقه الثوار. وبعد تهميشه، أمضى سنوات في البحث عن موطئ قدم، حتى أطل عبر الشاشات في فبراير 2014 ليتلو ‘البيان رقم 1’، معلناً عن انقلاب عسكري لتقويض المؤتمر الوطني العام. وحين أخفقت محاولته الانقلابية (الأولى)، شد حفتر رحاله نحو الشرق.
في عام 2018، كان سكان بنغازي ما يزالون يتجرعون مرارة العنف المتواصل الذي ميز السنوات السابقة، بما في ذلك مئات الاغتيالات والتفجيرات التي “فرقت بين الجيران والعائلات، وحفزت أوسع عملية نزوح في ليبيا منذ حقبة ما بعد الاستعمار، وخلقت عُقداً جديدة من الهوية المتجذرة في المظالم والروايات الحزبية حول مسببات الصراع”.¹³ وبدلاً من سيادة القانون، تولت ‘القوات المسلحة العربية الليبية’ مهمة توفير الأمن. وفي قلب المدينة، ظل فندق ‘تيبستي’ شاخصاً كظلال باهتة لماضيه العريق، بينما كانت جامعة بنغازي الشهيرة ترزح تحت الأنقاض، جراء احتلالها من قِبل تنظيم ‘أنصار الشريعة’؛ الجماعة الإرهابية المدرجة على قوائم الأمم المتحدة.
خلفت هذه المعارك الدامية وراءها آلاف الشراك الخداعية والذخائر غير المنفجرة التي ما تزال تزهق أرواح المدنيين وتتسبب في إعاقات للكثيرين. وقد غاب المجتمع الدولي بأسره تقريباً عن بنغازي والمنطقة الشرقية طيلة الفترة ما بين 2014 و2018، إثر إجلاء الأمم المتحدة والسفارات الأجنبية لبعثاتها عقب اندلاع الحرب الأهلية عام 2014. وفي عام 2018، شرعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (عقب استئناف مهامها في طرابلس والشرق) في العمل مع عميد بلدية بنغازي المنتخب آنذاك، عبد الرحمن العبار، في مسعى لإعادة الحياة إلى المدينة المثقلة بالجراح، والتي ظل ميناؤها ـ شريان حياتها الرئيسي نحو العالم ـ مغلقاً. أما مطار بنينا في بنغازي، وهو أحد أكبر المطارات ذات الاستخدام المدني والعسكري المشترك في البلاد، فقد أُعيد افتتاحه قبل وقت قريب فحسب.
بين بنغازي وطبرق شرقاً، برزت ثلاث مدن أخرى في واجهة الأحداث المتسارعة عامي 2017 و2018: المرج، مسقط رأس الفريق الناظوري نائب حفتر؛ والبيضاء، العاصمة الأولى للأسرة السنوسية ومقر الحكومة الموازية غير المعترف بها آنذاك، والتي احتضنت أيضاً الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور المتشرذمة والمترددة؛ وأخيراً درنة. ففي صيف 2017، احتدمت معركة السيطرة على درنة بين قوات حفتر وتحالف من الإسلاميين، نبع بعضهم من جذور إرهابية صريحة وأحكموا قبضتهم على المدينة. وقد تطلب الأمر عامين إضافيين من ‘القوات المسلحة العربية الليبية’ لتبسط سيطرتها المطلقة عليها.
بغية الاجتماع برئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، توجب علينا السفر إلى بلدة القبة الصغيرة القابعة في أحضان الجبل الأخضر، تلك المنطقة الشرقية الفاتنة؛ حيث كان يفضل استقبالي هناك بدلاً من طبرق. وكنا نهبط في مطار متهالك إلى حد ما، يغص ـ كشأن مطارات البلاد كافة ـ بالعشرات من الطائرات العسكرية والمدنية المهجورة التي تُركت لتتآكل تحت لهيب الشمس. وكانت الرحلة إلى القبة تبعث في النفس بهجة غامرة، لاسيما في فصل الربيع حين تكتسي الأرض بحلة من الزهور المتفتحة.
ولم يحدث أن استقبلني صالح قط في مدينة طبرق، الواقعة في أقصى الشرق على مقربة من الحدود المصرية والمقر الرسمي الحالي للبرلمان الليبي. وطبرق بلدة ذاع صيتها لوقوعها على مسارات تهريب المواد المخدرة، كالحشيش والترامادول وغيرهما من العقاقير، فضلاً عن تحولها في الآونة الأخيرة إلى مركز لنوع مغاير من الأنشطة غير المشروعة وهو الاتجار بالبشر.
الجنوب المهجور
ينحدر بعض سكان مدن الساحل الليبي في الأصل من الواحات والقبائل في المناطق النائية الجنوبية، باتجاه الصحراء الشاسعة التي تربط ليبيا بجيرانها الأفارقة، والتي تمتد على طولها شبكات قديمة عابرة للأقاليم. ورغم خيمة القذافي والحنين إلى حياة البداوة، فإن معظم سكان ليبيا يتركزون في مراكز حضرية على طول الشريط الساحلي. وبالنسبة للكثير من هؤلاء الحضر، وللأسف بالنسبة لنا في الأمم المتحدة أيضاً، ظل جنوب ليبيا المفتقر للسلطة ـ إقليم فزان ـ بمنزلة ‘أرض مجهولة’ إلى حد كبير. لم يكن مانعنا هو غياب الرغبة في زيارة حواضر نائية مثل أوباري أو مرزق أو القطرون¹⁴ أو الكفرة، غير أن بلوغها كان محفوفاً بتعقيدات جمة ومخاطر بالغة، وفقاً لتقديرات مسؤولي الأمن لدينا. وخلال أعوامي الأربعة في ليبيا، لم يتسنَّ لي زيارة سبها، عاصمة الجنوب المنكوبة، إلا مرة يتيمة في رحلة لم تتجاوز اليوم الواحد.
عبر المهاجرون هذه الفيافي الصحراوية الشاسعة، حيث قضى الكثيرون نحبهم إما بسبب قسوة الطبيعة أو غدر المهربين. ومما يبعث على القلق بذات القدر، استغلال المجموعات الإرهابية المطرودة من سرت أو الجزائر لأقصى أطراف تلك المناطق النائية، ناهيك عن الفصائل المسلحة المتنوعة التي تتخذ من تلك الأراضي منطلقاً للتحشد والإعداد لهجمات في تشاد أو النيجر أو مالي.
وتجدر الإشارة إلى أنه حتى خمسينيات القرن الماضي، كانت ليبيا تضم طائفة يهودية ناهز تعدادها 36,000 نسمة، استقر جلهم في طرابلس التي احتضنت مطلع القرن العشرين ما لا يقل عن أربعة وأربعين كنيساً. كما شهدت بنغازي وجود جالية يهودية كبيرة، وحقيقةً، يضرب الوجود اليهودي في جذور ليبيا إلى 500 عام قبل العصر المسيحي.¹⁵ وقد هاجرت الغالبية العظمى من يهود ليبيا إلى إسرائيل عقب إعلان تأسيسها عام 1948 وفي أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية الأولى 1948-1949، وذلك إثر سلسلة من المذابح. وفي عام 1967، أُجبر نحو 3,500 يهودي ليبي آخرين على المنفى. وحين ارتقى القذافي سدة الحكم في سبتمبر 1969، لم يكن قد تبقى في البلاد سوى 500 يهودي، سرعان ما طُردوا وصودرت ممتلكاتهم، حتى غدت ليبيا اليوم خالية تماماً من الوجود اليهودي.¹⁶
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية