منصة الصباح
حين تصوم اللغة… الكتابة في حضرة رمضان شهادات ليبية عن الصمت، النص، والروح

حين تصوم اللغة… الكتابة في حضرة رمضان

حنان علي كابو

في شهر رمضان، تتغير إيقاعات اليوم المعتاد، وتتخفف الروح من ضجيجها اليومي، فتبحث الكتابة عن موقع لها بين الواجبات اليومية. كيف يتغيّر حضور الكتابة في يوم الكاتبات خلال هذا الشهر الفضيل؟ وهل يشكل الصمت جزءًا من التجربة الإبداعية؟ وهل يؤثر الصيام على علاقة الكاتبة باللغة أو بالنص؟ وهل تميل إلى النشر فور ولادة النص أم تؤجّله؟ هذه الأسئلة وجهتنا إلى أربع تجارب ليبية مختلفة، تجمع بين الخصوصية والروحانية

… الكتابة كدعاء .

تؤكد د. سكينة بن عامر الكاتبة وعضو هيئة تدريس بجامعة بنغازي كلية الاعلام .تؤكد أن رمضان يمنح الكتابة حضورًا خاصًا وإن كان متقلصًا، فهو أكثر نقاءً وخصوصية، ويظهر ذلك في نصوصها العائلية وخاطرتها:

د. سكينة بن عامر

لشهر رمضان خصوصية تفرض طقوسها على لحظات يومنا المعتاد، لهذا يتغير حضور الكتابة في أيامه ويتقوقع قليلاً في الزاوية، فلا وقت للكتابة إلا في بدايات اليوم. فإن سمح الوقت تتحول الكتابات إلى نصوص خاصة بالأهل، أحيي من خلالها ذكرياتنا وأيامنا، وأجمعها في نهاية الشهر هدية عيد للأحباب.

حضور الكتابة في يوم رمضان حضور خاص، يعافر الوقت ويتحدى المهام كي يحظى بموقع قدم بين ساعات اليوم المتلاحقة، ولهذا يتقلص فعل الكتابة فيه تارة وتختفي في معظم الأحيان.

الصمت في حضرة الصيام عبادة، وهو الغطاء الذي يحمي من تلصص الباحثين على الثغرات، وهو الضجيج الروحاني الذي يبوح بما لا يقال، لذلك اختاره رداء أمان لقلبي، وأعتمده ستراً ووقاية من الانفلات خاصة خلال أيام الشهر الكريم.

في خاطرة استمدت من ذاكرة تكتب .د. سكينة:

لأول تجربة في الصيام الكامل فرحة لا تُنسى.. فأنت في ذلك اليوم تكون ملكًا متوجًا.. وأنت نجم.. وكل الأنظار تتجه إليك..
في ذلك الرمضان كنت في الصف الثالث الابتدائي، وكانت تجربتي الأولى في الصيام الكامل. في السنوات السابقة كنت (أخيط) أيام الصيام: أصوم نصف يوم وأكمله مع نصف اليوم التالي، وأذهب إلى أمي كي تخيط لي النصفين معًا وتضع في شقاقتي قرشًا كاملاً لأحسب عدد أيام الصيام.

كنت ملكة متوجة في أول يوم صيام كامل لي، فأبي أجلسني قربه على رأس مائدة الإفطار، وحنّة منحتني خمسة قروش كاملة، وأهداني أخي السنوسي زجاجة عصير لأفطر عليها.

في اليوم الخامس من الصيام اكتسى جسمي بالحساسية وأخذني أبي للطبيب، ولله الحمد سمح لي بالصيام وهو يضحك من استجدائي كي لا يأمر بمنعي. لكن في المقابل منع عني الطبيب البيض والموز والتن، إلى أن يُعرف السبب الحقيقي للحساسية. عدت للبيت حزينة؛ اليوم يوم بلح الشام، والبيض من مكوناته الأساسية، وسأحرم منه.

ما أن علمت أمي بالأمر حتى عادت للمطبخ من جديد، بصنعة قلب عاشق، صنعت لي بلح شام خالٍ من البيض، ناصع اللون، لامع التعسيل، مقرمش المذاق، ومميز عن بلح شام الآخرين. رسالة مبكرة تعلمنا فيها احترام الاختلاف وتقدير أوضاع الآخرين.

… الكتابة حارسًا للهوية .

ترى الإعلامية نعيمة الطاهر أن رمضان فرصة لاستعادة الموروث القيمي والاجتماعي، وأن الكتابة في هذا الشهر تصون الهوية الليبية:

نعيمة الطاهر

من منطلق المحافظة على الهوية المحلية وخصوصية طقوسنا كليبيين في رمضان، أحرص على الكتابة عن الشهر الكريم وما فيه من نفحات وروحانيات.

الصمت فضيلة حين لا يكون للكلام معنى، لكن نعيمة لا تتبع طقوسًا محددة أثناء الكتابة، بل تركز على الفكرة والانعزال عن المحيطين حتى ولادة النص.

تتابع نشر كتاباتها عبر حسابها على فيسبوك وزاويتها الصحفية الأسبوعية في صحيفة الصباح “السحارية”، لتسليط الضوء على الموروث والطهو الليبي خلال الشهر الكريم.

وتخص خاطرة نعيمة الطاهر اجواء رمضان ..

يا هليل بين الهللة…

ها هي نفحات شهر الخير والبركات تهل علينا، وبشائر قدومه صارت ملء السمع والبصر.

شهر رمضان من أكثر الشهور تعظيماً وتقديساً عند الليبيين، ولن أبالغ إذا ما قلت إنه الشهر الوحيد الذي يتفق الجميع على استقباله بما يليق به من تبجيل.

زمان كانت الناس تستقبل شهر رمضان بروحانيات مفعمة بالوجد والبركات، ويستعد الجميع للصيام والصلاة وقراءة القرآن، وإذا ما أعلن عن قدوم الشهر الفضيل، ورؤية هلاله، نجد نساء العائلة كبيرات السن والقدر يرددن:

“يا هليل بين الهللة لا مرض ولا علة”، ويرفعن أنظارهن إلى السماء حيث يتربع الهلال مضيئاً ويوجهن إليه حديثهن:

“آمنت بالذي خلقك، آمنت بالذي خلقك، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله”.

ويعم السرور بين جنبات البيوت، وتمارس النساء واجبهن المتوارث من جدات الجدات في إعداد طعام الإفطار، ويكسبن أجر إفطار الصائم.

فلتعدّوا للاهتمام بموروثنا القيمي والاجتماعي والروحاني، فيما يخص شهر رمضان الكريم، وأن نتمسك بخصوصيتنا كليبيين فيه، مع استغلال شبكات التواصل للتعريف بأكلنا الرمضاني التقليدي، وطرق قضائنا للياليه.

النص الذي يولد فورًا

تربط خيرية بين النص والتهيئة الروحية للصيام، فتكتب أقل لكن بعمق أكبر، وترفض تأجيل النص …

تقول …في رمضان لا تحضر الكتابة بوصفها عادة يومية ثابتة، بل كحالة استثنائية عميقة جداً، لا تتراجع أو تختفي بل تستطع، تسير جنباً إلى جنب أمام طقوس أخرى أكثر صفاء، وتأتي حين تشاء، أحيانًا تتأخر، وأحيانًا تكتفي بأن تلوّح من بعيد، أكتب أقل، لكنني أقرأ أكثر، وكذلك النص في رمضان يحتاج إلى تهيئة روحية قبل أن يُكتب.

وتضيف ..

الصمت في رمضان ليس اختيارًا واعيًا بقدر ما هو ضرورة داخلية، أتركه يعمل في داخلي، يفرز، ويهذّب. الصيام لا يغيّر علاقتي باللغة؛ بل يجعلني أكثر ارتباطاً بها من خلال قراءتي التي تزيد في هذا الشهر، النص الرمضاني عندي يميل إلى الاختزال، إلى الجملة التي تقول بقدر ما تحتمل، ثم تتوقف ..

بطبعي لا أميل إلى تأجيل نشر النصوص أشعر أن النصوص التي تولد في رمضان أو غير رمضان يجب أن ترى النور لحظة ولادتها، أحب العجلة، أن نشرها فورًا لا يخلّ بتوازنها بالعكس يصبغها بصفة الصدق التام والبراءة والعفوية، لا أحتفظ بها لأعود إليها لاحقًا، و لا أمنحها مسافة زمنية.

-تشاركنا روائيتنا بهذا النص …

– “منذ الصباح الباكر، وهواء غرفتي يتشبّع بصوت عبد الباسط عبد الصمد، وأنا في زاويتي القصيّة أُدهشُ بهذا الصوت وتلاوته الإعجازية. سلامٌ غريب غمر روحي، وتصالحٌ عجيبٌ مع الذات، ورضىً ينمو بداخلي. الآياتُ الكريمة أصابت عُمق نفسي، وأصابت الروح. تعمّدتُ الإطالة في الاستماع، أردتُ الكثير الكثير من السلام، والكثير من التصالح.

تسلّلت يدي إلى إعدادات الهاتف، وجعلتُ التلاوة على نمط التكرار.

بدأت الآياتُ الكريمة تملأ الغرفة، وأنا أوشك أن أسكب كل شيء أمامها.

الله أكبر، بسم الله الرحمن الرحيم، ولله الحمد… ألم نشرح لك صدرك.

كان صوت الشيخ مواسياً وقوياً، هزّ ضعفي، وتسلّلت قطراته مشبّعةً بأنَّ مع العسر يسراً، إنَّ مع العسر يسراً.

ارتفعت الآيات في المكان حنونـةً، حانيـةً، رفيقـةً، تسيلُ عذوبـة، تمسُّ شغاف القلب، وتمسح عنه الحزن

… ذكريات رمضانية.

الصيام يجعل الشاعرة د. حنان أكثر انغماسًا في قراءة القرآن، مما يقلّل كتابتها ونشرها على صفحات التواصل، ويجعل الصمت أداة روحانية:

عادة ما يكون للقراءة القرآن يوميًا الحصة الكبرى من الوقت، وكل شذرات أكتبها تصبغها روحانية الصوم. خلال الشهر الفضيل أجد نفسي قليلة الكتابة والنشر، ألتزم الصمت أكثر من نشر تجربة البوح.

من عمق الطفولة تستحضر شاعرتنا حنان محفوظ خاطرتها …

حين أنبش في حطام ذاكرتي البعيدة أجد من الذكريات التي تطفو رغما عن النسيان ما يعيدني إلى أجمل الأيام والسنوات التي تذكرني بالشهر الكريم.. حين أتذكر رمضان قديما وأنا طفلة أحاول أن أقتدي بجداتي الصوامات القوامات.. أقلدهن في الصيام رغم صغر سني.

أتذكر وانا طفلة في منطقة جامع القبطان حين كان النوبادجي يمر من زقاق بيتنا قبل ساعات من السحور، وحين نلتف حوله نحن أطفال الشارع وكل منا يحاول أن يحظى بنوبة أطول من الآخر أمام بيته، كان الرجل يدخل الزقاق يضرب النوبة ويؤدي عمله ويمضي دون أن يحفل بأحد يقدم له مقابلا أو لا. كان يمارس هذه العادة كل عام على مدى الشهر الكريم.

حين انتقلنا إلى الشارع الكبير في فشلوم غابت هذه الظاهرة في مخيلتي أو ربما أكون قد كبرت ولم أعد أخرج للعب..
شهر رمضان يذكرني بأبي وعاداته الخاصة في الأكل خصوصًا أنه كان يحب أن يفطر على صفار البيض المخفوق وهو ما يعرف بـ(الزابليوني)، وكانت أمي توزع مهام خفق البيض كل يوم على إحدى أخواتي وأنا معهم طبعًا لي دوري منذ كان الخافق يدويا حتى أصبح بعد ذلك كهربائيًا. كان يحب القطايف وحريصًا على جلبها يوميًا واستقبلها بفرح وأعدها بحشو اللوز والعسل.

في الشهر الكريم أتذكر عمي محمد سنفاز فشلوم وهو يميز طلباتنا ببعض الحلقات كالكعك لأخوتي الصغار إضافة للسفنز والزلابية.

لنا في رمضان العديد من الذكريات المفرحة والمؤلمة.. فهو يذكرني بالكفتة التي كانت تعدها حناي صالحة.. وحلاوة خشاف حناي صبرية الزيات بالدبلة التي كانت الجارات تتنافس في صنعها.. يذكرني باجتماعات لصنع المقروض والغريبة كل يوم في حوش من بيوت العائلة أو الجيران.

كنا في ليلة سبعة وعشرين رمضان نعد قصعة (الموتى) أو كما يطلق على الصدقة في هذه الليلة المباركة ليلة القدر.. كانت وجبة البازين بالفول وجبة رئيسية إجبارية ولابد من توزيعها على أكثر من عشر بيوت، القصعة الكبيرة جدًا كانت تذهب للجامع وباقي القصاع تتوزع بين بيت جدي وبيت خالي وعمي وبعض الجيران وبعض العزابة الذين يعملون بمحلات تجارية كـ(ضوقة) على قول أمي.

حين كبرت لم تعد اهتماماتي كبيرة بمشاهدة التلفاز بعد أن كان يأخذ أكبر مساحة من وقتي لمشاهدة الفوازير وبرامج المائدة.. صار يعني لي العبادة وختم القرآن وصلاة التراويح جماعة مع نساء الحي في خلوة جامع الباز.. وحتى الآونة الأخيرة لم أعد أهتم في شهر الصيام بمتابعة المسلسلات إلا قليلاً جدًا رغم رغبتي في المتابعة ولكني دائمًا لا أوفق.

ما يميز ذكرياتي الرمضانية وأعتبره أهمها على الإطلاق.. ارتباط الشهر الكريم بولادتي لابني العزيز محمد، وكان أول أحفاد عائلة جده لأبيه، وكان رمضان عام 2007 مميزًا عن باقي الأعوام.. فقد صرت أما فيه أمارس دوري الذي خلقني الله له بكل حب.

هناك الكثير والكثير من الذكريات لا يتسع الوقت لترجمتها على الورق…

أما في نهاية الشهر، مهمتنا تنحصر في إعداد حلويات العيد مع أمي.. أمي التي كانت تجيد جبذ ورق البقلاوة لإعداد البقلاوة الطرابلسية، وليلة العيد دائمًا شاهدة على تلك الصفرة الذهبية الغارقة في العسل الحقاني.

اليوم رمضاننا يختلف لأننا عبرنا سنوات عدة ومررنا على أجيال مختلفة عنا.. فمائدة الإفطار في بيتي تختلف كثيرًا عما كنت أعده في بيت والدي، فلم تعد تلك الوجبة الدسمة مناسبة لمعدتنا مثل زمان، وتلبية رغبات أبناءنا الآن من مهامنا الأساسية، كما كان أبي وأمي لا يرفضان لنا طلبًا.

رحم الله أبي وحفظ الله أمي.. وأعاد الله علينا شهر الصوم والعبادة أعوامًا عديدة بالخير والبركة.

شاهد أيضاً

“مُنيرة نصيب" تكسرُ صمتها ب"هُدنةٍ" و"عناق"

“مُنيرة نصيب” تكسرُ صمتها ب”هُدنةٍ” و”عناق”

الصباح /خاص تعود الشاعرة “منيرة نصيب” إلى المشهد الأدبي بإصدار مزدوج، تُطلق من خلاله ديوانين …