منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

الفوضى الصحية

د.علي المبروك أبوقرين

للأسف الشديد لم تعد الفوضى الصيحة توصيف بل أصبحت واقع يومي يتسع ويتوحش ويغدو أكثر خطورة بلا عقلانية في ظل تدني الخدمات وانهيار شبه كامل للنظام الصحي وهو وصف مبسط لمرارة ما يعيشه الناس عندما تغيب الرعاية الصحية الأولية التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول للمجتمع ، فتتحول المستوصفات والمراكز الصحية إلى هياكل مكتظة بالأسماء والوظائف على الورق وفارغة من المعنى والفعل معظم الوقت بلا إمكانيات وبلا كفاءات وبلا قدرة على تقديم الحد الأدنى من الخدمة رغم أنها الملاذ الطبيعي الأول للناس ، أما المستشفيات والمجمعات الصحية التي كانت في وقت ما ولخلل ما بوابة الدخول للنظام الصحي فكانت العيادات الخارجية وأقسام الطوارئ تؤدي خدمات مقبولة ومتاح الوصول إليها رغم الخلل البنيوي وغياب الإحالة والتنظيم ، وكان المواطن يستطيع إنقاذ نفسه أو مريضه بحد أدنى من الأمان ، أما اليوم فقد خرجت معظم هذه المرافق من الخدمة تحت ذرائع متعددة أعطال ونقص معدات وغياب كوادر وتوقف مختبرات وتعطيل أقسام حتى أصبح السؤال البديهي أين نذهب والجواب الجاهز الخاص ولا غيره ، والمفارقة الصادمة أن الكوادر التي لا تتوفر في المراكز العامة متاحة ليلا ونهارا وفي العطل ونهاية الأسبوع في المصحات الخاصة والمختبرات ومراكز التشخيص والصيدليات ومراكز التجميل طالما المال حاضر تسير الأمور ويُفتح كل مغلق ، ومن لا يملك القدرة المالية يُترك لحظه أو يصف شكواه للصيدلي فيصرف له ما يشاء ، أو يتلقى نصائح من الجيران والأقارب ، أو يغرق في وصفات وسائل التواصل الاجتماعي القاتلة ، أو يُدفع إلى معالجين شعبيين وتجارب موروثة ، أو يُجبر على السفر إن استطاع ليبدأ فصلا آخر من الاستنزاف حيث تتكاثر الأمراض وتتضاعف الفحوصات وتتكرر التدخلات وتتسع مساحة الخطأ ويُضخم العلاج لتضخيم الفاتورة ، وفي هذا السوق الموحش يتوه المريض بلا حماية ولا رقابة ولا مرجعية علمية ، وكل حالة تُدار وفق القدرة المالية والوعي المحدود والقناعة واليأس ولا أحد يحمي ولا أحد يحاسب والسوق الصحي يبتسم ابتسامة مفترسة كلما زاد الطلب واشتد الألم ، بينما يعجز عن تلبية هذا الطلب إلا بإغراق البلاد بالأدوية المغشوشة والمزورة وبكوادر غير مؤهلة وبممارسات خطيرة يتنافس الجميع فيها على حساب صحة الناس ، والأكثر فداحة أن هذا يحدث في بلد يمتلك واحدة من أفضل البنى التحتية الصحية في المنطقة لكنها معطلة بفعل فاعل ، وأن المسار العام يسير ضد المجتمع وضد الحق في الصحة لصالح نخبة ضيقة تعيش وتزدهر على أنقاض النظام الصحي العام وعلى حساب تسليع المرض والتعليم الطبي الخاص حيث تتحول المعاناة إلى فرصة والمرض إلى مشروع والإنسان إلى زبون ، إن ما يجري ليس خلل عابر ولا أزمة مؤقتة ولا نتيجة فقر أو عجز بل هو اختيار إداري وسياسي واع يترك النظام الصحي العام ينهار ليُفسح المجال لسوق موازية تتغذى على الألم وتزدهر على حساب المرضى فحين تُعطل المرافق العامة وتُفرغ من كوادرها وتُهمل صيانتها ثم يُقال للناس اذهبوا إلى الخاص فهذه ليست مصادفة بل هندسة فوضى مقصودة ، فالصحة هنا لم تعد حق ولا خدمة عامة بل تحولت إلى مقامرة غير متكافئة ومن يملك المال ينجو مؤقتا ومن لا يملك يُترك للمجهول وللوصفات القاتلة وللتجارب العشوائية وللسفر القسري أو للانتظار حتى تتعقد الحالة ويصبح العلاج أصعب وأغلى وأكثر خطورة ، والأخطر أن هذه الفوضى لا تقتل مرة واحدة بل تقتل ببطء تُراكم الإعاقات وتضاعف الأخطاء الطبية وتنتج أجيال مريضة جسديا ونفسيا وتستنزف المجتمع وتشل التنمية وتعيد إنتاج الفقر والمرض في حلقة مغلقة ، وإنقاذ الصحة لا يبدأ ببناء مستشفيات جديدة ولا بشراء أجهزة إضافية بل بإرادة سياسية حقيقية تعيد الاعتبار للصحة كحق أصيل وتُغلق أبواب تضارب المصالح وتمنع الجمع بين العام والخاص وتفرض الحوكمة والمساءلة وتعيد تشغيل ما هو قائم وتُعيد الكوادر إلى مواقعها الطبيعية وتسوية أوضاعهم المالية ، وتبني نظام إحالة ورعاية أولية فعال ، وتضع الإنسان وليس السوق في مركز النظام ، وما لم يحدث ذلك ستبقى الفوضى القاعدة ، والمرض هو الضريبة ، والناس هم الخاسر الأكبر ، ولن يكون هذا إلا فشل أخلاقي قبل أن يكون فشل صحي …

شاهد أيضاً

خطط عسكرية بين البنتاغون والبيت الأبيض لضرب إيران

خطط عسكرية بين البنتاغون والبيت الأبيض لضرب إيران

كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال”، أن وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” والبيت الأبيض، يعملان على إعداد …