منصة الصباح
د. علي عاشور

وَجَعُ المُوَاطِنِ وَغَلَاءُ الطَّمَاطِمِ

باختصار

من منا لا يعرف أن ليبيا أرض خصبة ممتدة وفيها من التنوع ما يجعل الزراعة فيه ممكنة في أكثر من شكل وأكثر من موسم؟، حتى أصبح من السهل على الليبي أن يردد بثقة أن هذه الأرض لو أحسن التعامل معها لأعطت بسخاء، وأن ما يزرع فيها لا يخيب المزارع، وأن الخيرات فيها أقرب مما نتصور، لكن هذه الصورة الجميلة تصطدم كل يوم بسؤال بسيط يختصر المشهد كله: لماذا إذن ندفع كل هذا؟

الأسعار في ليبيا لم تعد مجرد أرقام تعكس تكلفة أو تعب مزارع أو مصاريف النقل والسماد، بل أصبحت شيئا آخر تماما، حالة نفسية عامة تتحكم في السوق أكثر مما تتحكم فيه القوانين الاقتصادية، حيث يكفي أن يشعر الناس بالقلق حتى ترتفع الأسعار، ويكفي أن تنتشر شائعة صغيرة حتى يقفز السعر قفزة غير مبررة، ويكفي أن يحدث نقص مؤقت في سلعة ما حتى يتحول إلى ذريعة لرفع دائم لتك السلعة، ثم تبقى الأسعار في مكانها المرتفع وكأنها وجدت هناك راحتها ولا تنوي العودة.

والغريب أن هذا المشهد يتكرر بطريقة تكاد تكون كوميدية، فكل فترة يختار السوق بطلا جديدا للأزمة، فتجتمع عليه الأحاديث وتدور حوله النقاشات… مرة البيض، ومرة الحليب، ومرة المواد المخلوطة في الخبز، ومرة الموز الذي قرر فجأة أن يعيش حياة الرفاهية ويترك موائد البسطاء، حتى أصبح المواطن يتعامل مع السوق وكأنه يتابع مسلسلاً يوميا، لا يعرف من سيكون نجم الحلقة القادمة، لكنه يعرف جيداا أن النهاية واحدة: مصروف أكثر وراحة أقل.

وها هو هذه الأيام، يقرر الطماطم أن يتصدر المشهد بكل ثقة، لا كخضار عادية توضع في كل بيت بلا تفكير، بل كمنتج له هيبة سعر تجاوز 13 دينارا للكيلو، وجعل الناس تتوقف قليلا قبل أن تمد يدها لشرائه، وكأنها تفكر: هل نشتري الطماطم أم نؤجلها لوقت تتحسن فيه الأحوال؟ بل أصبح من الطبيعي أن تدخل الطماطم في الأحاديث اليومية في المكاتب والمناسبات، ليس بوصفها خضارا، بل بوصفها حدثا اقتصاديا يستحق النقاش وكأنه يأتنا عن طريق مضيق هرمز هذه الأيام.

الغريب المضحك أن هذا الطماطم ليس ضيفا غريبا جاء من وراء البحار، بل هو من أرضنا … من جالو، ومن مزارع مصراتة، ومن جنوب طرابلس وجنزور… أي من أماكن يفترض أنها الأقرب إلى الوفرة لا إلى الندرة، ومع ذلك تصل إلينا بسعر يجعلها تبدو وكأنها قطعت نصف العالم قبل أن تصل إلى أكواخ بيع الخضار، وليست مجرد مسافة داخل الوطن.

المشكلة في الحقيقة ليست في الطماطم نفسه، ولا في أي سلعة أخرى، بل في الطريقة التي يتحرك بها السوق داخل هذه البلاد، حيث لا يتم التسعير على أساس ما هو موجود فعلا، بل على أساس ما يخشى أن يحدث، فيضع التاجر هامشا للخوف قبل يدرس هامش الربح، ويشتري المواطن بدافع القلق قبل الحاجة، فتدور الدائرة، ويصبح كل ارتفاع مبررا، وكل بقاء في الأعلى أمرا طبيعيا.

وهكذا، نجد أنفسنا لا نعيش في سوق مستقر يمكن فهمه والتخطيط على أساسه، بل في حالة دائمة من الترقب، ننتقل فيها من سلعة إلى أخرى، ومن أزمة إلى أخرى، حتى أصبح السؤال اليومي ليس: ماذا نحتاج؟ بل: ماذا سنستطيع أن نشتري قبل أن يرتفع سعره غدا؟ وفي ظل هذا المشهد، لا يبدو الطماطم مجرد خضار غالية، بل يبدو عنواناً لمرحلة كاملة، مرحلة أصبح فيها كل شيء قابلا لأن يصبح نجم الأزمة في أي لحظة، دون موعد، ودون سبب واضح… ودون مراعاة لحالة المواطن في ظل ارتفاع الدولار.

د. علي عاشور

شاهد أيضاً

د. علي عاشور

شَهْرُ رَمَضَان… مِرْآَةُ الِإنْسَان

شهر رمضان  يتغير… ولن يتغير… يأتي كل عام كما هو، خفيفا على القلب، ممتلئا بالسكينة …