منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

*الطب كفاءة ورسالة وأمانة* 

مع مطلع الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين ، وفي زمن القفزات الهائلة في التطور التقني والتكنولوجي والرقمي والجينومي ، وصعود الذكاء الاصطناعي ليعيد تشكيل أنماط الحياة والاقتصاد والمعرفة، كان يفترض أن تكون الصحة والتعليم الطبي والتدريب السريري في صدارة مكتسبات الإنسانية.

لكن ما نشهده، للأسف هو اتساع فجوات غير مبررة بين الدول والشعوب ليس اقتصادي فحسب بل علمي وثقافي وصحي ، فجوات لا يبررها عصر المعرفة المفتوحة ولا عالم بات قرية واحدة ، ولم يعد مقبول لا أخلاقي ولا إنساني ، أن تُحرم شعوب أو مناطق داخل الدولة الواحدة من العدالة الصحية، سواء في الدول الغنية أو الفقيرة ، فالمعلومة متاحة ، والوقاية ليست مكلفة والعودة إلى الحياة الطبيعية ممكنة عبر بيئة نظيفة وغذاء صحي عضوي ونشاط بدني منتظم ، وسياسات واعية لمكافحة الأمراض .

والاستثمار الحقيقي اليوم هو في الإنسان وفي الاقتصاد المعرفي والإنتاجي والصحي ، وليس في اقتصاديات الريع والمرض ، وأصبح من غير المقبول الانجرار خلف ثقافات تصنع المرض، واقتصاديات تقوم على استدامته، بل وعلى تخليقه وتسليعه .

وغير مقبول شكلاً وموضوعاً أن يُسمح بالتلوث البيئي، أو بترويج الغذاء غير الصحي، أو بإهمال محددات الصحة الأساسية، بينما تُرفع شعارات التنمية والتحديث زوراً .

والأخطر من ذلك أنه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تُمارَس مهن طبية أو صحية أو خدمية لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بصحة وحياة الناس دون أن يكون القائمون عليها قد اجتازوا تعليم راسخ وتدريب مهني صارم وفق المعايير العالمية .

إن ممارسة العمل الصحي دون تأهيل عال ومن جهات موثوقة ومعتمدة رسميا من سلطات مخولة، ليست مجرد خطأ إداري بل جريمة إنسانية وأخلاقية ومهنية .

واجب المرحلة يفرض العمل الجاد على تنمية بشرية صحية بأعلى المعايير الدولية ، وإعادة تأهيل وتجسير كل القوى العاملة الصحية الحالية ، مع إعادة التقييم الشامل من جديد دون مجاملات أو حسابات ضيقة .

كما يفرض الابتعاد الكامل عن المتاجرة الرخيصة، وعن استغلال حاجات الناس للتوظيف أو التشغيل في قطاع لا يقبل الخطأ، ولا يسمح بوجود فرد واحد غير مؤهل، أو يفتقر للكفاءة والمهارة والخبرة ، وليبيا من أوائل الدول المطالبة اليوم بإصلاح عاجل وجذري للتعليم الطبي والصحي، وإنهاء فوضى التعليم الطبي والتدريب السريري، وفرض احتكار الدولة للتعليم الطبي والتمريضي والفني والإداري الصحي، وإلغاء كل ما هو دون ذلك .

فصحة وحياة الناس لا يمكن ولا يجوز أن تتحول إلى مشروع ربحي ، ليبيا ليست في حاجة إلى تعليم طبي خاص إلا إذا كان هناك إصرار مبيت على تدمير منظومات التعليم الطبي والخدمات الصحية، وضرب ما تبقى من أسس الدولة ومسؤوليتها الأخلاقية تجاه مواطنيها ، الصحة ليست سلعة والتعليم الطبي ليس استثمار تجاري ، وحياة الناس خط أحمر لا يقبل المساومة ..

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

بلاد من ورق

إيناس احميدة في بلاد الورق هذه ، يمكن أن تصبح مواطناً… على الورق. تدرس، تتملك، …