في الخامس والعشرين من مارس عام 2000، صمت أحد أكثر الأصوات طمأنينة في تاريخ التراث الفني الليبي، لكن الصدى الذي تركه الشيخ محمد إقنيص لا يزال يتردد في أروقة الزوايا العيساوية وحجرات البث الإذاعي على حد سواء، فلم يكن إقنيص مجرد فنان “مالوف”؛ كان الجسر التاريخي الذي عبر عليه هذا الفن الأندلسي العتيق من حلقات “الزوايا” الصوفية إلى ميادين المؤسسات الثقافية المعاصرة.
ولد إقنيص في طرابلس عام 1916، وبدأ حياته بين خيوط النسيج التي أتقن صناعتها، لكن قلبه كان يغزل إيقاعات “المالوف” منذ العاشرة من عمره. تحت إشراف شيخه علي الحداد، تشرب إقنيص أصول هذا الفن، ليشهد في أكتوبر 1938 لحظة تاريخية ببدء بث المالوف عبر القسم العربي للإذاعة الإيطالية، ومع حلول عام 1949، تسلم إقنيص قيادة هذا الركن الإذاعي، محولا إياه من مجرد فقرة تراثية إلى حصة أسبوعية مقدسة في وجدان الليبيين.
لم يتوقف طموح إقنيص عند الأداء، بل كان “أستاذا للأجيال” بامتياز،فمن تدريب طلاب المدارس بوزارة التربية والتعليم في الستينيات، إلى تأسيس فرقة الإذاعة للمالوف والموشحات عام 1964 برفقة القامة حسن عريبي، كان إقنيص هو المحرك الصامت وراء حفظ “الصنعات” النغمية، بفضله، وبدعم من الوزير الأديب الكبير خليفة التليسي، سجلت ما يقرب من 250 نوبة، محصنةً بذلك الذاكرة الموسيقية الليبية من الاندثار.
بين ألحان موشحه الشهير “دمعي جرى عن صحن خدي كالمطر” وتدريباته العريقة في نادي الاتحاد ومعهد الموسيقى، ظل إقنيص وفيا للأصل رغم تطور الآلات، هذا الإخلاص توج بوسام الريادة وجائزة الدولة التقديرية، ليظل اسمه محفوراً كدورة سنوية لمهرجان طرابلس للمالوف.
رحل إقنيص ، لكنه ترك خلفه وطنا يغني “جمر الهوى” بنوتة مدونة، وذاكرة مرئية ومسموعة لا تشيخ، مؤكدا أن الفن الأصيل، تماماً كخيوط النسيج التي بدأ بها، هو ما يربط ماضي الأمة بمستقبلها.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية