منصة الصباح
أحلام محمد الكميشي

السوق نظام… وليس مبادرات موسمية

يرتفع الطلب في كل موسم على سلع أساسية، مثل التمور في شهر رمضان، فيتجدد الجدل حول الأسعار والمبادرات الفردية. وغالباً ما يُختزل النقاش في المدح أو الهجوم، بينما تُهمل القضية الأهم: كيف يعمل السوق نفسه؟ فالسوق ليس مجموعة عروض مؤقتة، بل منظومة تقوم على الإنتاج، والتكلفة، والتخزين، والنقل، والتوزيع، والتسعير. وعندما يختل أي من هذه العناصر، تظهر الفوضى مهما حسنت النوايا.

أحياناً تُطرح السلع بأسعار منخفضة جداً، أقل من تكلفتها الحقيقية، فيُنظر إلى ذلك كعمل إيجابي. وأحياناً تُباع بأسعار مبالغ فيها، فيقابلها المستهلك بالاستياء وحملات المقاطعة. لكن اقتصادياً، الحالتان ترسلان إشارات مضللة للسوق. فالبيع تحت التكلفة يربك المنتجين ويغرق السوق ويشوّه المنافسة، والتسعير المبالغ فيه يضعف ثقة المستهلك ويغذي الاحتكار.

في السوق السليم، لا يكون السعر رقماً عشوائياً، بل رسالة تنظّم قرارات الجميع: المنتج، والتاجر، والمستهلك. وعندما تُشوَّه هذه الرسالة، تختل دورة الإنتاج والاستثمار. من جهة أخرى، كثيراً ما تُتداول أرقام عن الاستهلاك أو الإنتاج دون مصادر واضحة، فتتحول النقاشات إلى انطباعات بدل أن تكون تحليلات مبنية على بيانات. والاقتصاد لا يُدار بالانطباعات.

ويجري أحياناً تحويل المبادرات التجارية إلى قصص بطولية أو معارك أخلاقية، بينما الحقيقة أن التجارة تقوم على الربح، وهذا أمر طبيعي. المشكلة ليست في وجود أو غياب الربح، بل في غياب القواعد التي تنظّمه وتحفظ توازن السوق. وهنا يبرز الدور الأساسي للدولة: توفير معلومات شفافة، دعم وتنويع الإنتاج، منع الاحتكار والإغراق، توفير بنية تحتية تسهّل النقل الجيد، مراقبة سلاسل التوزيع، ممارسة الرقابة، وتنظيم التخزين الموسمي. فعندما يغيب هذا الدور، يصبح السوق رهينة الضجيج وردود الفعل المؤقتة، ويصبح المنتج والمستهلك معاً تحت رحمة التقلبات. وتطغي شعبوية المبادرات على جدية التخطيط والرقابة.

ما يحتاجه سوق التمور وغيره من السلع الأساسية ليس مبادرات موسمية، بل سياسات مستقرة ومؤسسات فعالة. فالسوق ليس مجرد مكان للبيع والشراء، بل مؤشر على استقرار الاقتصاد واستقلاله. والسؤال الحقيقي ليس: من خفّض السعر أو رفعه؟ بل: هل يعمل السوق بعدالة واستدامة؟ وهل يحمي حق المنتج والتاجر والمستهلك؟ وهل يستعد للمستقبل قبل الأزمات والطوارئ؟

أحلام محمد الكميشي

شاهد أيضاً

طارق القزيري

سردية الخلاص: سيف الاسلام حين لا تكفي المظلومية

طارق القزيري سيف الاسلام القذافي لم يكن، في جوهر الظاهرة، “خلاصا” بقدر ما كان “وعدا …