في ثقافة مهووسة بفقدان الوزن، تبدو الشكوى من “عدم القدرة على السمنة” كنوع من الرفاهية المزعجة، لكن بالنسبة للملايين، يمثل هذا التناقض البيولوجي لغزاً طبياً محبطاً، وبينما يربط الكثيرون زيادة الوزن بمجرد كمية الطعام، تكشف التقارير الطبية الحديثة أن “المعادلة الحرارية” ليست مجرد عملية حسابية بسيطة، بل هي صراع معقد بين الجينات، الهرمونات، وكفاءة الامتصاص.
خلف كل شخص يتناول الطعام بشراهة ويحتفظ بنحافته، يكمن محرك أيضي (Metabolism) يعمل بمعدلات تفوق المعدل الطبيعي. هؤلاء الأشخاص يحرقون الوقود حتى أثناء السكون؛ فبالنسبة لهم، السعرات الحرارية ليست مخزوناً مستقبلياً، بل طاقة تتبدد في شكل حرارة أو حركة لا إرادية. وبحسب خبراء الصحة، فإن هؤلاء “المحارق البشرية” يحتاجون لضعف السعرات التقليدية فقط للبقاء في نقطة الصفر (التوازن)، دون القدرة على تحقيق فائض لتخزين الدهون.
لا تقتصر المسألة على نمط الحياة؛ فالجينات ترسم “النقطة المحددة” (Set Point) لأوزاننا. إذا كانت العائلة تتمتع ببنية نحيفة، فإن الجسم يقاوم بضراوة أي محاولة لتغيير هذا المخطط الأصلي.
ومع ذلك، يحذر الأطباء من أن “النحافة رغم الشراهة” قد تكون قناعاً لاضطرابات صحية صامتة. فرط نشاط الغدة الدرقية يعمل كقائد أوركسترا يدفع الجسم للعمل بأقصى طاقته، مما يؤدي لفقدان الوزن رغم الشهية المفتوحة. كما تبرز مشاكل “سوء الامتصاص” مثل الداء البطني (حساسية الجلوتين) أو التهابات الأمعاء كحواجز خفية؛ حيث تمر العناصر الغذائية عبر الجهاز الهضمي دون أن يجد الجسم طريقاً لتمثيلها أو الاستفادة منها.
في نهاية المطاف، تؤكد الوقائع أن “كمية الأكل” ليست هي الفيصل، بل “نوعية الاستجابة”. بين المجهود البدني الزائد والاضطرابات الهضمية، يظل فهم الأسباب الفردية هو المفتاح الوحيد لكسر هذا اللغز. ففي عالم الطب الحديث، النحافة الزائدة ليست دائماً علامة على الرشاقة، بقدر ما قد تكون إشارة من الجسم بأنه يحتاج لإعادة ضبط أجهزته الداخلية.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية