منصة الصباح

الرياضة الليبية.. ملايين تُنفق وإنجازات تتبخر

الصباح/ طارق بريدعة

كيف أُهدرت الأموال وضاعت الإنجازات؟ فرغم الميزانيات الضخمة التي تُضخ سنويًا في خزائن الأندية والمنتخبات الليبية، والدعم الحكومي المستمر، لا يزال الحضور القاري للرياضة الليبية باهتًا، والنتائج دون الحد الأدنى للطموحات. 

خروج مبكر، مشاركات شكلية، وانكسارات متكررة في البطولات الإفريقية والعربية، تفتح باب التساؤل أين تُصرف هذه الأموال؟ ولماذا تتسع الفجوة بين حجم الإنفاق والمردود الفني؟

في الجزء الثاني من هذا الاستطلاع، فتحت منصة الصباح الباب أمام إعلاميين، إداريين، مدربين، ولاعبين سابقين، لتشريح أسباب الإخفاق المزمن، بعيدا عن المجاملات، وقريبا من الواقع.

إنجازات تُعد على الأصابع

وعند العودة إلى سجل التتويجات الفعلية للرياضة الليبية عبر عقود، يتبيّن أن ما تحقق من بطولات قارية وعربية لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، وغالبها خارج كرة القدم بنسختها الكبرى. فقد تُوّج المنتخب الليبي لكرة القدم الخماسية بلقب البطولة العربية عام 2007 في طرابلس، ثم بلقب كأس إفريقيا لكرة الصالات عام 2008، في إنجازين ظلّا استثناءً لا قاعدة.

كما حقق المنتخب المحلي لقب بطولة اللاعبين المحليين، وهي بطولة لا تُصنّف دوليًا ضمن بطولات الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، ولا تعكس مستوى تنافسيًا قارّيًا مستدامًا.

وفي الألعاب الجماعية الأخرى، سجّل نادي الأهلي طرابلس لكرة السلة إنجازًا قاريًا بارزًا بتتويجه بـبطولة إفريقيا للأندية، بينما حقق نادي السويحلي لقب بطولة إفريقيا للأندية للكرة الطائرة ولقب البطولة العربية للأندية، إضافة إلى تتويج المنتخب الوطني الليبي للكرة الطائرة بلقب البطولة العربية.

ورغم أهمية هذه الإنجازات وقيمتها الرياضية، إلا أنها تبقى محدودة زمنيًا وعدديًا، ولا تتناسب مع حجم الأموال التي صُرفت لعقود، ولا مع طموحات الشارع الرياضي، خاصة في كرة القدم التي استحوذت على النصيب الأكبر من الميزانيات دون مردود قاري يُذكر.

يتفق المتابعون للشأن الرياضي في ليبيا على أن كرة القدم، رغم ما يُصرف عليها من أموال طائلة، ما تزال حبيسة دائرة الفشل.

المنتخب الوطني الأول خرج مبكرا من سباق التأهل إلى مونديال 2026، وأخفق في بلوغ الملحق، كما ودّع تصفيات كأس أمم إفريقيا الجارية في المغرب.

أما منتخبات الفئات السنية (ناشئين، شباب، أولمبي)، فهي غائبة تمامًا عن الاستحقاقات القارية، وتُدار بعقلية “منتخبات مناسبات”، تُجمع على عجل، لتُمنى بهزائم ثقيلة، قبل أن تعود إلى طوابير الإهمال.

رأي المتابعين:

عادل محمد – متابع رياضي: إدارات الأندية قاصرة، ومجالس الاتحاد غير فاعلة.”

الحاج عبدالرزاق الفرجاني – متابع “التقنين المالي وضبط الدعم المالي عبر الاتحاد هو بداية الإصلاح.”

الإدارة والفشل أندية واتحاد بلا رؤية

نبيل العالم – رئيس سابق للجنة الأولمبية الليبية:

المشكلة الرئيسية للإخفاق هي سوء الإدارة وغياب التخطيط الاستراتيجي، وليس حجم الإنفاق.

نبيل العالم

يوسف السليني – لاعب سابق ومدرب:

ضعف اتحاد الكرة، تغليب المصالح الشخصية، اعتماد الأندية على دعم الدولة دون البحث عن الاستثمار. يقترح خصخصة الأندية، تقليص عدد اللاعبين الأجانب، اللعب بحضور جماهيري، وضبط روزنامة المسابقات.

يوسف السليني

حاتم عون – لاعب سابق ومدرب حالي

ضخ الأموال دون استراتيجية أو رقابة حقيقية زاد من تعقيد الأزمة، وأوصل الكرة الليبية إلى القاع.

حاتم عون

عبدالمجيد الرمالي – لاعب سابق ومدرب:

ضعف التخطيط، تغيّر الإدارات، غياب مشروع كروي وطني، ضعف البنية التحتية، وإهمال الفئات السنية، والاعتماد على الأسماء الجاهزة بدل بناء قاعدة حقيقية.

عبد المجيد الرمالي

زين العابدين بركان – إعلامي وصحفي:

فشل الأندية ينعكس مباشرة على المنتخبات، والدعم المالي يُصرف بلا ضوابط، ولا يُستثمر في مشاريع تطوير.

زين العابدين بركات

حسن أبو عائشة – إعلامي ومدرب:

غياب جهة فنية مختصة تشرف على العمل الرياضي، وخلط الصلاحيات بين الجهات الرسمية، وغياب التخطيط الفني والعلاقات الدولية الفاعلة.

حسن أبو عائشة

محمد الغزاوي – المدير التنفيذي لنادي المدينة:

المواهب الليبية موجودة، لكن الإخفاق سببه إدارة مؤقتة، تغيّر مستمر، سوء استثمار المال، وإهمال القاعدة والفئات السنية.

محمد الغزوي

صلاح بلعيد – إعلامي رياضي

تغيّر الأطقم الفنية، غياب الأهداف، وضياع مئات الملايين دون مردود. الاستثمار في الأكاديميات كان سيصنع الفارق.

صلاح بلعيد

أمثلة دولية ناجحة

عزالدين سالم جرناز – رئيس نادي الاتحاد المكلف سابقا

سبب إخفاق الفرق الليبية يرجع إلى سوء الإدارات بصفة عامة، وغياب المشروع الكروي الوطني.

عزالدين سالم جرناز

نذكر قطر والمغرب كمثال: مشروع الدولة طويل الأمد، تأسيس أكاديميات متخصصة مثل أكاديمية أسباير في قطر وأكاديمية محمد السادس في المغرب، أدى إلى نتائج ملموسة وقارية.

إبراهيم الورفلي – صحفي

النهوض بالرياضة يبدأ من الإدارة، لا من الأموال، ويجب توجيه الدعم نحو الأكاديميات ومدارس الناشئين، بدل هدره على تعاقدات فاشلة.

إبراهيم الورفلي

الفئات السنية الحلقة المفقودة

المدرب أنور الشريف

إخفاق الحاضر مرتبط بإهمال القاعدة، اللاعب الليبي يصل للفريق الأول دون خوض عدد كافٍ من المباريات في الفئات السنية.

أنور الشريف

يضيف عزالدين جرناز أكاديمية محمد السادس – سلا، المغرب: افتتحت عام 2009، اختبرت أكثر من 15 ألف طفل، واختارت 37 فقط، وكانت بداية فلسفة شاملة لتطوير كرة القدم المغربية، أدت إلى التتويج العالمي تحت 20 عامًا عام 2025.

المال حاضر… والإنجاز غائب

أسامة السنوسي – حارس دولي سابق ومدرب:

الإخفاق نتيجة أخطاء إدارية في تنظيم المسابقات، اختيار الأجهزة الفنية، ضعف الاحتكاك، وإهمال القاعدة. الحل يبدأ بتطوير العقول ووضع سياسة رياضية وطنية واضحة.

رغم اختلاف الزوايا، يتفق الجميع على أن الرياضة الليبية تعاني خللًا إداريًا وفنيًا عميقًا، وأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من التخطيط، الكفاءة، والمحاسبة، لا من ضخ الأموال وحدها.

ما كشفه هذا الاستطلاع ليس مجرد آراء متفرقة، بل صورة متكاملة لأزمة مزمنة، تتكرر فيها الأخطاء وتُعاد فيها الوجوه، بينما تبقى النتائج غائبة.

المال وحده لم يصنع حضورًا قاريا، ولن يصنعه ما دام يُصرف خارج إطار التخطيط والحوكمة.

أندية تبحث عن نصر محلي سريع، ومنتخبات بلا مشروع، ومؤسسات تفتقد الجرأة على الاعتراف بالإخفاق.

هل تتحول هذه الشهادات إلى جرس إنذار حقيقي، أم تُضاف إلى أرشيف طويل من التقارير التي شخّصت الداء وغابت عنها إرادة العلاج؟

حتى يحدث ذلك، ستظل المشاركات الخارجية عبورًا شكليًا، وستبقى الرياضة الليبية تدفع ثمن إدارة لا ترى في الإنجاز سوى شعار… لا التزاما.

شاهد أيضاً

منظمة الصحة العالمية: السودان يدخل اليوم الألف من النزاع

أعلنت منظمة الصحة العالمية أن النزاع في السودان يدخل يومه الألف، في ظل أوضاع إنسانية …