منصة الصباح
الرياضة الليبية: أموال تُصرف ونتائج لا تُحصد

الرياضة الليبية: أموال تُصرف ونتائج لا تُحصد

“الفشل المتكرر ليس صدفة: استطلاع يرصد خلل المنظومة الرياضية”…

طارق بريدعة

رغم الميزانيات الضخمة التي تُضخ سنويًا في خزائن الأندية والمنتخبات الليبية، ورغم الدعم الحكومي المستمر، وغياب التخطيط الفعّال من وزارة الرياضة واللجنة الأولمبية، لا يزال الحضور القاري للرياضة الليبية باهتًا، والنتائج أقل من الحد الأدنى للطموحات.

خروج مبكر، مشاركات شكلية، وانكسارات متكررة في البطولات الإفريقية والعربية، تطرح سؤالًا ملحًّا: أين تذهب كل هذه الأموال؟ ولماذا تتسع الفجوة بين الصرف والنتائج على أرض الملعب؟

في هذا الاستطلاع، فتحنا الباب أمام إعلاميين، إداريين، مدربين، ورياضيين سابقين لرصد أسباب الإخفاق المزمن وتشريح الأزمة من الداخل، بعيدًا عن المجاملات وقريبًا من الواقع.

أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة نتائج

يتفق أغلب المشاركين على أن جوهر المشكلة إداري وتنظيمي بالدرجة الأولى.

الإداري محمد السريتي يختصر المشهد بقوله إن الإجابة تكمن في مراجعة أسماء المسؤولين عن القطاع الرياضي، من الوزارة إلى الاتحادات ورؤساء الأندية، معتبرًا أن استمرار نفس الوجوه يعني استمرار نفس الفشل.

الجهاني اداري في احد الأندية

أما مالك الجهاني فيرى أن غياب الرؤية الواضحة، وانعدام التخطيط قصير وطويل المدى، وغياب المنظومة الإدارية المتكاملة، فتح الباب أمام المحاصصة والفساد، وحوّل الرياضة إلى مجال استرزاق لا مشروع تطوير.

أموال بلا حوكمة.. وصرف بلا أثر
مؤيد اسكندر اعلامي رياضي

الإعلامي مؤيد إسكندر يربط الإخفاق الرياضي بغياب الحوكمة، مؤكدًا أن جزءًا كبيرًا من الميزانيات يُهدر بسبب غياب المختصين وسوء اختيار المحترفين والمدربين، في ظل بنية تحتية متهالكة لا تعكس حجم الصرف.

ويذهب عبدالباسط الرطيب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن ما يحدث لم يعد “صرفًا” بل إهدارًا صريحًا، في ظل تجاهل مدارس الفئات السنية والتركيز على الحلول الجاهزة والنتائج الآنية، مع تغييب التخطيط العلمي.

الدوري المحلي.. أساس هش لمنافسة قارية

يشير عدد من المتابعين إلى أن الأزمة تبدأ من الدوري المحلي نفسه.

الصحفي علي الشتيوي يلفت إلى أن مسابقة تضم أكثر من 30 فريقًا، ويلعب فيها الفريق أقل من 20 مباراة في الموسم، لا يمكن أن تُنتج فرقًا قادرة على المنافسة القارية، خاصة مع إغراق الأندية بمحترفين أجانب دون المستوى الذين أقصوا اللاعب المحلي بدل تطويره.

نعيم بوعبدالله رجل أعمال ومتابع للرياضة

ويؤكد نعيم بوعبدالله أن ارتباك الدوري وغياب المعايير الاحترافية المعتمدة عالميًا أفقد المنافسة معناها الحقيقي.

منتخبات بلا مشروع.. وأندية تبحث عن نصر محلي فقط
عصام حسين صحفي رياضي

الإعلامي عصام حسين يشير إلى إشكالية ثقافية عميقة، تتمثل في تركيز الأندية على التفوق المحلي و”الديربيات” على حساب بناء فرق تنافس خارجيًا، وحتى على حساب دعم المنتخب الوطني، الذي بات حضوره الجماهيري ضعيفًا مقارنة بمباريات الأندية.

ويضيف أن البيت الأولمبي بدوره يظل حضوره باهتًا في المحافل الكبرى، دون محاسبة أو استقالات، في مشهد وصفه بـ”المخجل”.

الفئات السنية.. الحلقة المفقودة

المدرب أنور الشريف يربط إخفاق الحاضر بإهمال القاعدة، موضحًا أن اللاعب الليبي يصل للفريق الأول دون خوض عدد كافٍ من المباريات في الفئات السنية، في دوريات ضعيفة لا تتجاوز عشر مباريات في الموسم، ما ينعكس مباشرة على الجاهزية الذهنية والفنية.

وأشار أيضًا إلى التغيير المستمر للأجهزة الفنية، وتدخل السياسة، وغياب شخصيات مؤثرة داخل الاتحادات القارية.

من يتحمل المسؤولية؟

الصحفي عون ماضي يوزع المسؤولية بنسب متفاوتة، محمّلًا وزارة الرياضة النصيب الأكبر بسبب ضخ الأموال دون رقابة أو محاسبة، ما أدى إلى ظهور “أندية الشنطة” وتحويل الرياضة من رسالة إلى وسيلة إثراء.

بينما يختصر عادل الشبلي الأزمة في جملة واحدة:

“الإخفاق ليس بسبب قلة الإمكانيات، بل بسبب سوء الإدارة وغياب المحاسبة.”

عندما يصبح الفشل سياسة غير معلنة

ما كشفه هذا الاستطلاع ليس مجرد آراء متفرقة، بل صورة متكاملة لأزمة مزمنة، تتكرر فيها الأخطاء وتُعاد فيها الوجوه، بينما تبقى النتائج غائبة.

في الرياضة الليبية، لا يبدو الفشل استثناءً طارئًا، بل نتيجة طبيعية لمنظومة تُدار بلا رؤية، تُموَّل بلا رقابة، وتُقيَّم بلا محاسبة. المال وحده لم يصنع حضورًا قاريًا، ولن يصنعه ما دام يُصرف خارج إطار التخطيط والحوكمة، وما دامت القرارات تُتخذ بعقلية البقاء في المنصب لا صناعة الإنجاز.

بين أندية تبحث عن نصر محلي سريع ومنتخبات بلا مشروع، ومؤسسات تفتقد الجرأة على الاعتراف بالإخفاق، يستمر النزيف الرياضي عامًا بعد عام.

يبقى السؤال المفتوح: هل تتحول هذه الشهادات إلى جرس إنذار حقيقي، أم تُضاف إلى أرشيف طويل من التقارير التي شخّصت الداء وغابت عنها إرادة العلاج؟

حتى يحدث ذلك، ستظل المشاركات الخارجية عبورًا شكليًا، وستبقى الرياضة الليبية تدفع ثمن إدارة لا ترى في الإنجاز سوى شعار… لا التزامًا.

شاهد أيضاً

الدواء «المغشوش» يتحول إلي سم يتجرعه المرضى

الدواء «المغشوش» يتحول إلي سم يتجرعه المرضى

استطلاع / عواطف بن علي بينما يتطلع المرضى إلى الدواء بوصفه وسيلة للشفاء، قد يتحول …