جمعة بوكليب
زايد…ناقص
حُبِّي للرسم صغيرًا لم يجعل منّي كبيرًا رسَّامًا.
الموهبةُ، المسماة بـ “الفَسْلة”، كانت معدومةً. لكنّي ما زلتُ، إلى يومنا هذا، أحبُّ التردد على معارض الرسم أينما كنتُ. وما زلتُ كلما مررت بـ “غاليري” تعرض لوحات لفنانين تشكيليين، أحرص على الدخول والتمتع بجمال الخطوط والألوان والأشكال في اللوحات المعروضة. وكأني بذلك أُعَوِّضُ في نفسي فشلَ تلك الأمنية القديمة في الإيناع والتحقق. لكنّ التردد على صالات العروض التشكيلية والمعارض، لا يكفي لأن يجعل من معدُوم موهبة رسَّامًا.
في الصف الخامس الإبتدائي بمدرسة طرابلس المركزية، كان معلّم التربية الفنّية اسمه محمد شيبوب، وكان رسَّامًا معروفًا، لكنّه، سامحه الله، لم يكن يُعْنَى بتعليمنا الرسم. وكان هناك مُعَلِّمون آخرون، لم يفلحوا في تعليمي رسم أي شيء.
في مدرسة الحُرّية الإعدادية، بباب الحُرّية، كان معلم مادة التربية الفنية اسمه عياد ربيع. كان رجلًا طيبًا جدًا، طويل القامة، في علو نخلة تقريبًا. وكان أجدر به أن يكون لاعب كرة سلة. وأخفق هو الآخر في تعليمي الرسم، رغم محاولاته. وحين دخلتُ معهد المعلمين، كنتُ محظوظًا لأن معلّم التربية الفنّية كان واحدًا من أهم الرسامين التشكيليين في ليبيا، وهو المرحوم علي قانه.
وقتذاك، في العام 1968-1969، كان المرحوم قانه قادمًا لتوّه من إيطاليا متخرجًا من أعرق جامعاتها الفنّية، ويدرِّس طلبة قسم التربية الفنّية، أي الطلبة الذين سيصبحون بعد تخرّجهم مدرّسي تربية فنّية. ويبدو أنّه لتكملة الجدول الأسبوعي جَعَلوه معلمًا لنا في القسم العام الجديد. ولم يكن أحدٌ منّا يعرفُ من هو علي قانه، ومن أين جاء. كنّا نعتبره معلم تربية فنّية آخر لا أكثر ولا أقل.
موهبةُ أستاذٍ عظيم وفنان كبير مثله لم تفلح في تعليمي الرسم، وأن تجعل منّي رسّامًا رغم كل محاولاتي. لهذا السبب، أدرتُ ظهري لذلك الحُبّ الفاشل، وجعلتُ همّي أن أكون كاتبًا، أرسمُ بكلماتي المُلوّنة ما عجزتُ عن رسمه بفرشاة.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية