في مشهد يعيد صياغة المأساة الاقتصادية الليبية، اتخذ مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي خطوة وصفت بأنها “هروب للأمام”، بتعديل سعر الصرف رسمياً إلى 6.39 دينار للدولار،. وبينما تسوق المؤسسات الرسمية هذا القرار كإجراء تنظيمي، يرى المراقبون والخبراء أنه يمثل فصلاً جديداً من “الزحف”؛ حيث يزحف السعر نحو الارتفاع، ويزحف المواطن نحو خط الفقر، بينما ينطلق “المرموقون” وأصحاب النفوذ بسرعة الضوء نحو مراكمة الثروات.
يعتقد الكثيرون أن الرقم 6.39 هو نهاية القصة، لكن الخبراء الاقتصاديين يحذرون من “نصف الحقيقة” التي لم يكشف عنها المركزي. فخلف السعر الرسمي، يختبئ جبل من الرسوم والضرائب التي أقرها مجلس النواب على السلع المستوردة، والتي تتراوح بين 2% و12% للسلع الاستهلاكية، وتصل إلى 35% للكماليات.
بجمع متوسط الضرائب الجديدة (11%) مع متوسط الرسوم الجمركية القائمة (12%)، نجد أنفسنا أمام عبء ضريبي وجمركي يصل إلى 23% على الواردات، وبالنظر إلى اعتماد ليبيا شبه الكامل على الخارج، فإن هذه الزيادات ستنتقل آلياً إلى أسعار السلع في الأسواق.
ووفقاً للتحليل الرياضي الذي طرحه الخبير الاقتصادي عمران الشايبي، فإن التأثير الفعلي لهذه الرسوم سيرفع السعر الحقيقي للدولار داخل السلعة. فالمواطن الذي يشتري احتياجاته، لن يدفع ثمنها بناء على سعر المركزي “المثالي”، بل بناء على معادلة (6.39 × 1.22)، مما يعني أن الدولار “المستتر” في أسعار الأغذية والأدوية سيتراوح فعلياً بين 7.5 و8 دنانير.
والجانب الإيجابي “الوحيد” والمؤلم في آن واحد، هو أن هذا التعديل قد يقلص الفجوة بين “أباطرة الاعتمادات الوهمية” الذين كانوا ينهبون العملة بالسعر الرخيص، وبين أصحاب المحال الصغيرة الذين يشترون من السوق الموازية، ومع ذلك، يظل السؤال معلقا، هل تضحي ليبيا بالقدرة الشرائية لمواطنها فقط لتعديل أخطاء منظومة الفساد؟
بين وعود الإنعاش التي ذهبت أدراج الرياح وبين واقع التضخم القادم، يبدو أن الليبيين مدعوون مرة أخرى لدفع ثمن “الاستقرار المالي” من جيوبهم الخاوية أصلاً.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية