منصة الصباح
الحرف التقليدية.. ذاكرة وطنية ابتلعها السوق

الحرف التقليدية .. ذاكرة وطنية ابتلعها السوق

‏استطلاع/ عفاف التاورغي

بين الأزقة العتيقة، يصحى الناس وينامون على صوت الحرفيين التقليديين، الذين رسخوا عبر التاريخ مكانتهم كملمح رئيس، وجودهم يضفي على المكان استثنائية تخصه وغيابهم يفرغ الهوية من معناها.

المتابع لأزقة هؤلاء الحرفيين في المدينة القديمة بطرابلس وغيرها من المدن يلاحظ انحساراً كبيراً .. دكاكين كاملة أتت عليها المتطلبات الحديثة، وبات الحضور الجميل المتضوع بعبق التاريخ يختفي تحت وطأة اسعار الدولار والتوجه للمحال العصرية.

صحيفة «الصباح» طرقت باب الحرفيين التقليديين .. طالعت عن كثب قصصهم واستمعت لمعاناتهم وهم يحاولون الصمود وسط عالم سريع التغير

في مفترق الطرق
ناصر محمد النحايسي
ناصر محمد النحايسي

يمارس «‏ناصر محمد النحايسي» النقش على النحاس منذ 3 عقود تقريباً .. سنوات لم تمنحه الخبرة العملية فقط، بل كوّنت لديه فهمًا عميقًا لمتغيرات السوق وتحولاته.

يستعيد «النحايسي» صورة الماضي حين كانت المهنة تعيش حالة من النشاط الملحوظ، مدفوعة بإقبال السياح وارتباطها بالمناسبات والفعاليات المختلفة، الأمر الذي فتح له أبوابًا أوسع للرزق ويوفر فرص عمل لعدد أكبر من العاملين في هذا القطاع.

غير أن هذا المشهد تغيّر تدريجيًا مع الارتفاع المستمر في أسعار المواد الخام، ما انعكس سلبًا على حجم الإنتاج وأضعف استمرارية النشاط.

مسؤولية مشتركة

ويشير في ذات الآن إلى جملة من ‏التحديات تواجههم، على رأسها نقص المواد الخام وارتفاع أسعار الاستيراد، ما يزيد من الأعباء المالية على الحرفيين ويحد من قدرتهم على المنافسة.

ويختتم النحايسي رؤيته بالتأكيد على أن الحفاظ على هذه الحرفة مسؤولية مشتركة، تتطلب دعمًا حقيقيًا للحرفيين لضمان انتقال الخبرة بسلاسة إلى الأجيال القادمة.

‏بين تقلبات السوق والابتكار
عدنان الوحيشي
عدنان الوحيشي

‏أما «عدنان الوحيشي» فحياته ارتبطت بصناعة الحُلي والإكسسوارات كموروث عائلي وحرفة اقتصادية ..

بدأ رحلته عقب تخرجه في المعهد التجاري، ثم أصبح حلقة وصل بين السوق المحلية والشركات الأوروبية، ما أتاح له نقل خبرات وتقنيات حديثة.
‏

ويدعو «الوحيشي» إلى ضرورة دعم الشباب الليبي لتعلم هذه الحرفة، وتحقيق استقرار مهني وأسر مستقل، مع معالجة تحديات السوق كالارتفاع المستمر في أسعار المواد الخام، مؤكداً أن الحفاظ على الحرفة لا يقتصر على الإنتاج، بل يشمل حماية الهوية الثقافية والاقتصادية للمدينة.


‏الإرث الثقافي مهدد بالاندثار

ويؤكد «جمال الداقبز» أن الحرف التقليدية تمثل ركيزة أساسية للهوية الثقافية الليبية، وأن تراجعها لا يعني خسارة مورد اقتصادي فقط، بل ضياع إرث حضاري. الحرفيون يعانون ضعفًا في الدعم والتمويل، مع غياب سياسات واضحة لتوريث الخبرات.

و‏يدعو «جمال» إلى إنشاء مراكز تدريب وتأهيل، وتوفير المواد الخام بأسعار مناسبة، وخلق أسواق منظمة للمنتجات الحرفية، معتبرًا أن هذه الخطوات ضرورية لتحويل الحرف إلى مصدر دخل مستدام وتعزيز مكانة التراث الليبي.

‏حفاظ على الذاكرة
دعم الحرف التقليدية يتجاوز الرفاهية الثقافية إلى الاستثمار في الاقتصاد الوطني
دعم الحرف التقليدية يتجاوز الرفاهية الثقافية إلى الاستثمار في الاقتصاد الوطني

‏‏في كل مجتمع .. تمثل الحرف التقليدية ذاكرة المجتمعات وهويتها الثقافية، فهي خبرات تراكمت عبر عقود طويلة من التجربة والإبداع.

والحفاظ عليها يمثل استثمارًا اقتصاديًا وحماية للتراث الثقافي، ويجب أن يكون دعم الحرفيين اليوم أولوية وطنية لإعادة الاعتبار لهذه المهن كمسار مهني كريم ومستدام.

 

شاهد أيضاً

الفقر يبتلع باطراد فئات من المجتمع

الفقر يبتلع باطراد فئات من المجتمع

استطلاع/ عواطف علي في الوقت الذي تعيش فيه ليبيا على وقع موجات متلاحقة من التضخم، …