تشهد الولايات المتحدة انقسامًا سياسيًا حادًا عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدء عمليات عسكرية ضد إيران، في خطوة فجّرت موجة اعتراضات واسعة داخل الكونغرس وأوساط سياسية محلية، وسط اتهامات للرئيس بتجاوز صلاحياته الدستورية وجرّ البلاد إلى “حرب جديدة بلا تفويض”.
اعتراضات ديمقراطية وتصعيد دستوري
قادة ديمقراطيون في مجلسي النواب والشيوخ سارعوا إلى إدانة التحرك العسكري، معتبرين أنه تم دون موافقة الكونغرس، في مخالفة صريحة للدستور الأميركي الذي يمنح السلطة الحصرية لإعلان الحرب للسلطة التشريعية.
السيناتور بيرني ساندرز وصف الحرب بأنها “غير شرعية وغير دستورية”، محمّلًا ترامب مسؤولية “المقامرة بأرواح الأميركيين وأموالهم”، ومؤكدًا عزمه دعم قرار “صلاحيات الحرب” لكبح أي تصعيد إضافي. كما اعتبر أن الهجوم يمثل انتهاكًا للقانون الدولي وقد يؤدي إلى توسيع دائرة عدم الاستقرار في المنطقة.
بدورها، شددت السناتور إليزابيث وارين على أن أموال دافعي الضرائب تُستخدم لتمويل قصف خارجي في وقت تعاني فيه الطبقة العاملة داخل الولايات المتحدة من أزمات اقتصادية، معتبرة أن ذلك يتناقض مع شعار “أمريكا أولاً”.
أما النائبة جاسمين كروكيت فهاجمت الرئيس بلهجة حادة، متسائلة عن سبب “رفضه حتى التظاهر باحترام القانون”، ودعت رئيس مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة للتصويت على قرار يقيّد صلاحياته العسكرية.
وفي السياق ذاته، اعتبرت النائبة الديمقراطية “كلارك” أن الحرب تستند إلى “مبررات واهية”، مشيرة إلى أن الرئيس كان قد أعلن سابقًا أن الضربات السابقة على إيران قضت على قدراتها النووية، متسائلة عن دوافع العودة إلى التصعيد العسكري. كما عبّرت عن قلقها من سقوط ضحايا مدنيين، معتبرة أن إنقاذ الشعب الإيراني “ليس الهدف الحقيقي” للتحرك العسكري.
مخاوف واستعدادات أمنية
فيما، أعلن عمدة مدينة نيويورك زهران كوامي مامداني أن الضربات الأميركية تمثل “تصعيدًا كارثيًا”، مؤكدًا أن الأميركيين لا يريدون حربًا جديدة ولا يسعون إلى تغيير أنظمة بالقوة.
وكشف عن تواصله مع مفوض الشرطة ومسؤولي الطوارئ لتعزيز التنسيق الأمني وزيادة الدوريات في المواقع الحساسة “من باب الحيطة والحذر”، في ظل مخاوف من تداعيات أمنية محتملة داخل الأراضي الأميركية. كما وجّه رسالة طمأنة مباشرة إلى الجالية الإيرانية في نيويورك، مؤكدًا أنها “جزء من نسيج المدينة”.
انقسام يتجاوز الخط الحزبي؟
ورغم أن المعارضة الأشد جاءت من الديمقراطيين، إلا أن الدعوات لإعادة تفعيل “قرار صلاحيات الحرب” حملت طابعًا عابرًا للحزبين، إذ أكد عدد من المعارضين أنهم يتوقعون دعمًا من مشرعين جمهوريين قلقين من توسع العمليات دون تفويض رسمي.
ويعيد هذا الجدل إلى الأذهان انقسامات سابقة رافقت حرب فيتنام وغزو العراق، حيث اتُهمت الإدارات الأميركية حينها بتضليل الرأي العام. ويخشى منتقدو الخطوة الحالية من انزلاق البلاد إلى صراع مفتوح في الشرق الأوسط، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأميركي تحديات داخلية تتعلق بالتضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
بين “الأمن القومي” و”تفويض الشعب”
في المقابل، يرى مؤيدو الرئيس أن التحرك يندرج ضمن حماية الأمن القومي والرد على تهديدات إيرانية، إلا أن هذا الموقف لم يمنع تصاعد الأسئلة القانونية حول حدود سلطة الرئيس في استخدام القوة العسكرية دون إعلان حرب رسمي.
ومع تصاعد الدعوات لعقد جلسة طارئة للكونغرس، تبدو واشنطن أمام اختبار دستوري جديد قد يحدد مسار العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في ملف الحرب والسلم.
في خضم هذا المشهد، يبقى الشارع الأميركي منقسمًا بين مخاوف من حرب طويلة الأمد، ورغبة في تجنب تكرار تجارب عسكرية سابقة كلّفت البلاد خسائر بشرية ومليارات الدولارات، فيما تتجه الأنظار إلى الكونغرس لمعرفة ما إذا كان سيستخدم صلاحياته الدستورية لوقف التصعيد، أم أن عجلة الحرب ستستمر في الدوران.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية