منصة الصباح
جمعة بوكليب

الحربُ والسلام

جمعة بوكليب

زايد…ناقص

العنوان أعلاه لا علاقة مباشرة له برواية الكاتب الروسي الشهير ليو تولستوي، بل هو عنوان صورة نشرتها صحيفة “الأوبزرفر” البريطانية في عدد يوم الأحد الماضي على كامل صفحتها الأولى.

الصورة، على ما يبدو، التقطت في “كييف” عاصمة أوكرانيا، قبل يوم على الأكثر -في تقديري- من الاحتفال بعيد ميلاد السيد المسيح (عليه السلام). تظهر فيها امرأة قريبة من العدسة، تسير على رصيف مغطى بالثلج، تحمل شجرة عيد ميلاد في طريقها إلى بيتها عائدة من سوق أو “سوبر ماركت”. على الرصيف الآخر، البعيد عن العدسة، تنتصب شجرتان مجردتان من الأوراق والحياة، وخلفهما يبدو ركام أنقاض مبنى مهدم جراء القصف. المرأة تسير بعينين تنظران إلى الأرض، وشجرة عيد الميلاد الخضراء محمولة في يدها اليسرى بعيداً عن العدسة.

يظهر الإجهاد على وجه المرأة، وهي ترتدي سروال بدلة رياضية أسود اللون، وسترة شتوية بنية، وحذاءً أسود، في خلفية ثلجية كالحة وباردة. حرب وبرد وثلج وأنقاض وخراب، وشجرتان منهكتان من البرد بلا أوراق؛ وحشية الشتاء ووحشية الحرب بارزتان وتستحوذان على الصورة، في حين أن “السلام” المذكور إلى جانب الحرب في العنوان أعلاه لا يبدو ظاهراً للرائي، إلا إذا اعتبرنا وجود شجرة عيد الميلاد رمزاً ضمنياً له.

ليس الخراب المحيط بالمرأة في الصورة هو ما أثار اهتمامي، ولا الثلج الذي يغطي الشارع والرصيفين، بل شيء آخر غير مرئي: تلك المرأة المجهولة قبلت بمخاطرة الخروج من بيتها، أو من الملجأ الذي يحميها من القصف والموت، من أجل اقتناء شجرة عيد ميلاد؛ كي تعود بقطعة من العيد لتحتفل مع أفراد أسرتها أو من بقي منهم على قيد الحياة.

الرسالة التي ترسلها الصورة إلى كل من يراها، هي أن الاحتفال بالعيد ليس مقصوداً في حد ذاته في تلك الظروف القاسية، لكن العزم والإصرار على الاحتفال به والمخاطرة المهلكة يعني تحدياً للموت، وإصراراً على التشبث بالحياة.

شاهد أيضاً

د. علي عاشور

رِجَالُ الْمُرُور… وَالْحَقُّ الْمَهْدُور

باختصار د. علي عاشور لم يعد الازدحام المروري في مدينة طرابلس مجرد حالة عابرة أو …