منصة الصباح
د. علي عاشور

رِسَالَتِي الأُولَى إِلَى وَزِيرِ التَّعْلِيمِ العَالِي…

باختصار

      لم تعد بعض الممارسات داخل جامعاتنا تثير الاستغراب فحسب، بل أصبحت تفرض نفسها كظواهر تستدعي الوقوف عندها بجدية ومسؤولية…. ومن بين أهم هذه الظواهر، ما يحدث في جلسات مناقشة الرسائل العلمية، حيث يطلب من الطالب -صراحة ًأو تلميحا- إعداد دروع تكريم للمشرف وأعضاء لجنة المناقشة.

قد يبدو الأمر عادياً وبسيطاً في ظاهره، لكنه في حقيقته يطرح تساؤلات كبيرة ومقلقة في الوقت ذاته: هل يطلب التكريم أصلاً؟ وهل يتحول من قيمة أخلاقية نابعة من التقدير إلى التزام مفروض على الطالب؟ أم أننا أمام ممارسة تقحم الطالب في دائرة من الإحراج والضغط، وتفتح الباب على مصراعيه للتأويلات التي تمس نزاهة التقييم العلمي؟

المشهد أصبح متكررا…. علب دروع فخمة مصفوفة بعناية على طاولة قريبة من لجنة المناقشة، بحضور عائلة الطالب وزملائه، تلتقطها عدسات الكاميرات…. رسالة غير مباشرة تفهم دون تصريح، وكأنها دعوة مبطنة للتخفيف من حدة النقد أو تمرير العمل وإن لم يأتي بما يمكن تمريره…. وهنا تكمن الخطورة، ليس فقط في الفعل ذاته، بل في دلالاته التي تضرب جوهر العدالة الأكاديمية وجوانب عديدة من نزاهتها.

الأمر لا يقف عند هذا الحد، فالطالب -الذي يفترض أن ينشغل ببحثه العلمي- يجد نفسه مثقلاً بتكاليف إضافية… طباعة وتجليد وضيافة ولافتات، ثم دروع قد تكون باهظة الثمن…. كل ذلك في سياق لا علاقة له بجودة البحث، بل بثقافة استهلاكية تسللت إلى فضاءات يفترض أن تكون أكثر انضباطاً وجدية.

وإذا انتقلنا إلى المؤتمرات والندوات العلمية، نجد أن “ثقافة الدروع” قد ترسخت بشكل لافت، حتى أصبح التكريم إجراءً روتينياً يُمنح للجميع، دون تمييز حقيقي، مما أفقده قيمته، وحوله إلى مجرد مظهر شكلي لا يعكس بالضرورة جودة العمل العلمي.

معالي الوزير…. أنت ابن هذه المهنة، ولابد أنك تعي جيداً أن المؤسسات الأكاديمية -في العالم كله- ليست ساحة للمجاملات، ولا منصة للرسائل غير المباشرة، بل هي فضاءات للبحث والمعرفة والتقييم الموضوعي والصريح…. والتكريم حين يتم فرضه … يفقد معناه، بل ويتحول إلى عبء أخلاقي ومادي مرفوض جملة وتفصيلاً.

لذلك، تبرز الحاجة إلى موقف واضح وحازم، عبر تعميم رسمي يمنع تقديم الدروع والهدايا لأعضاء لجان المناقشة داخل الحرم الجامعي وفروع الأكاديمية المنتشرة، ويضع حداً لهذه الممارسات التي تسيء إلى صورة التعليم العالي في بلادنا…. كما أن إعادة النظر في آليات ومعايير التكريم في المؤتمرات العلمية باتت ضرورة، لضمان أن يبقى التقدير مرتبطا بالتميز الحقيقي لا بالشكل واتباع سياسة المجاملات، حيث إن حماية نزاهة العملية التعليمية مسؤولية مشتركة، لكنها تبدأ بقناعة وإرادة المسؤول.

د. علي عاشور

شاهد أيضاً

ايناس احميدة

قرارات لرفع قيمة الشهادة… أم لتعميق الفجوة في الواقع التعليمي؟

في توقيت حساس من العام الدراسي، صدرت قرارات وزير التعليم الأخيرة المتعلقة بعدم تقليص المناهج …