تقرير : فاتح مناع – طارق بريدعة
انتقادات واسعة من استشاريين وأكاديميين: خلطٌ بين الأكاديمي والسريري وتهميش لدور الجامعات
دخل ملف التعليم الطبي في ليبيا مرحلة جديدة من الجدل، عقب صدور مراسلة رسمية عن وزير التعليم العالي والبحث العلمي، عمران القيب، حملت الرقم (384) بتاريخ 30 ديسمبر 2025، وُجّهت إلى رؤساء الجامعات، ونصّت صراحة على عدم تكليف الأطباء السريريين التابعين لوزارة الصحة بأي مهام تدريسية أو تدريبية داخل الجامعات إلا عبر مجلس التخصصات الطبية.

القرار، الذي رُوّج له تحت شعار «تجويد العملية التعليمية»، فجّر موجة واسعة من الانتقادات في الأوساط الطبية والأكاديمية، حيث اعتبره عدد من الاستشاريين تدخلًا إداريًا يُربك منظومة التعليم الطبي ويقيد استقلال الجامعات.

خلط بين المسار الأكاديمي والمهني
يرى الدكتور عادل الديب، استشاري جودة الرعاية الصحية، أن القرار يعكس خلطًا واضحًا بين المسار الأكاديمي (الماجستير والدكتوراه) والمسار المهني السريري، معتبرًا أن إخضاع الجامعات لمجلس التخصصات في التكليف التدريسي يمثل تجاوزًا للصلاحيات، لأن التدريس الجامعي تحكمه معايير علمية وأكاديمية لا إدارية.

وفي السياق ذاته، يوضح الأستاذ الدكتور عامر التواتي، أستاذ الجراحة بكلية الطب – جامعة سبها، أن التعليم الطبي السريري يقوم أساسًا على برامج اختصاص مهني واضحة المعايير تشرف عليها مجالس تخصصية مستقلة، ولا يجوز الخلط بينها وبين المسار الأكاديمي الجامعي.
ويؤكد التواتي أن شهادة الاختصاص (البورد أو الزمالة) لا يمكن أن تحل محل برامج الماجستير والدكتوراه ذات الطابع البحثي، كما لا يمكن للجامعات أن تُجرَّد من حقها في إدارة العملية التعليمية. ويحذر من أن خلط الأدوار بين المؤسسات الأكاديمية والمهنية سيؤدي إلى إرباك المنظومة بدل إصلاحها.
التخوف من تراجع جودة التدريب السريري
من جانبه، اعتبر الدكتور علاء بن إسماعيل، استشاري الأشعة العلاجية بالمركز الوطني للأورام في بنغازي، أن هذا التوجه سيؤدي إلى مزيد من التخبط وضعف التدريب السريري، خاصة في ظل واقع المستشفيات التعليمية التي تعاني أصلًا من نقص الإمكانيات والكوادر.

ويرى الدكتور الصديق بن دلة أن التعليم الإكلينيكي يختلف جوهريًا عن التعليم الأكاديمي، إذ يقوم على التعامل المباشر مع المرضى وإعداد الطالب كطبيب ممارس، مشددًا على أن من يتولى تدريس المواد الإكلينيكية يجب أن يكون طبيبًا سريريًا نشطًا، لا حامل شهادة أكاديمية فقط.
ويضيف أن التجارب العالمية تعتمد على المستشفيات الجامعية التي تجمع بين التعليم والتدريب، في حين تعتمد ليبيا على مستشفيات تعليمية يعمل بها أطباء يحملون البورد أو الزمالة، وهم – بحسبه – العمود الفقري للتدريب السريري.

اتهامات بالتهميش والتنصل من المسؤولية
بلهجة أكثر حدة، وصف الدكتور عقيلة البدري، استشاري الأنف والأذن والحنجرة بمستشفى دار الحكمة – بنغازي، القرار بأنه محاولة لإضفاء «قيمة شكلية» على مجلس التخصصات الطبية، الذي يعاني – بحسب تعبيره – من ضعف الأداء، معتبرًا الخطوة تنصلًا من المسؤولية المباشرة لوزارة التعليم العالي.

وهو ما يلتقي مع تحذير الدكتور عصام الدناع، أستاذ الطب الرياضي بجامعة بنغازي، من «تبعات كارثية» على كليات الطب، في ظل ما وصفه بـ التخبط التخطيطي وغياب الرؤية الاستراتيجية.
توضيحات غير مقنعة
وفي محاولة لفهم خلفيات القرار، نقل الدكتور حسين الخمري، رئيس وحدة زراعة القوقعة بمركز التخصصات الطبية – بنغازي، عن رئيس مجلس التخصصات الطبية، الدكتور أمحمد ساسي، أن المراسلة تهدف فقط إلى استشارة المجلس في أي قبول جديد للأطباء السريريين.

إلا أن الخمري أشار إلى أن نص المراسلة لا يعكس هذا التفسير، بل جاء واضحًا في حظر التكليف المباشر، ما يعمّق حالة الالتباس ويطرح تساؤلات حول آليات التنفيذ وحدود الصلاحيات.
التعليم الطبي جناحان لا ينفصلان
في المقابل، يؤكد الدكتور محمد العربي، أستاذ جراحة الفم والفكين، أن الفصل بين الجانب الأكاديمي والسريري يُعد خللًا جوهريًا في إعداد الطبيب، لأن دراسة الطب لا تقتصر على المعرفة النظرية، بل تقوم على تحويلها إلى ممارسة فعلية داخل المستشفيات.
ويشير العربي إلى أن التجارب الدولية الناجحة تعتمد نموذجًا تكامليًا، حيث يتخرج الطبيب وهو يجمع بين العلم والخبرة الميدانية، محذرًا من أن أي قرار يُضعف هذا التكامل سينعكس سلبًا على جودة الخريجين ومستقبل المنظومة الصحية.
أزمة ثقة ورؤية غائبة
في المحصلة، لا يقتصر الجدل حول مراسلة وزير التعليم العالي على إجراء إداري عابر، بل يكشف عن أزمة أعمق في إدارة التعليم الطبي، وغياب رؤية واضحة تُحدد أدوار الجامعات، ووزارة الصحة، ومجلس التخصصات الطبية، دون تضارب أو وصاية.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل يُسهم القرار فعلًا في تجويد التعليم الطبي، أم أنه خطوة جديدة تُعمّق أزمة الثقة وتدفع ثمنها كليات الطب وطلابها؟
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية