التعليم الطبي والتدريب السريري ليسا مسار تعليمي تقليدي ولا نشاط أكاديمي يمكن نسخه أو اختزاله أو الاتجار به ، بل هما عملية شديدة التعقيد تتعلق بصناعة الطب ذاته ، بما يحمله من مسؤولية أخلاقية ومعرفية ومهنية وإنسانية . إنها صناعة الإنسان قبل الطبيب ، وصناعة الثقة قبل المهارة ، وصناعة الأمان قبل الخدمة . فالطب ليس علم تطبيقي فحسب ، بل منظومة قيم وفلسفة وسلوك ، تتطلب بنية تحتية تعليمية وصحية معقدة ومتكاملة ، قادرة على احتضان التعليم الآلي والمعملي والنقدي والتفاعلي والبحثي والتقني ، والتقييم المستمر ، وبناء القدرات العلمية والمهنية والبحثية ، ومهارات التواصل والإنصات والتدقيق والتحقق والملاحظة . وكلها عناصر لا تتكون صدفة ولا تُكتسب في مباني مؤقتة أو برامج مجتزأة أو مناهج موروثة تجاوزها الزمن . طالب الطب لا يولد طبيب ، بل يُصاغ عبر رحلة طويلة دقيقة تبدأ بالاختيار الصارم وتمر بمختبرات ومعامل ومشارح ومراكز محاكاة تحاكي الواقع ، ومستشفيات جامعية تعليمية معتمدة ، وإشراف علمي لصيق ، وتقييم مستمر لا يعرف المجاملة ، وتنتهي بطبيب محترف مشبع بالعلوم الطبية والصحية وبالفلسفة الصحية وبالعلاقات الإنسانية والصحة الرقمية ، وقادر على الوقاية قبل العلاج والتنبؤ قبل التشخيص والاستباق قبل تفاقم المرض ، وبناء خطط علاج دقيقة تحقق النتائج وتحفظ الكرامة . هذه الصناعة المعقدة لا تقوم إلا على أساتذة ومدرسين ومشرفين وممتحنين يتمتعون بكفاءة علمية وتربوية وتدريبية عالية ، ومتفرغين تفرغ كامل للتعليم والتدريب والبحث ، لأنهم حجر الأساس في التنشئة والصقل والتكوين ويجب أن يكون لهم تميز في المرتبات والميزات الوظيفية والاحتكاك المباشر مع كبرى الجامعات والمستشفيات الجامعية والمراكز البحثية العالمية . وأي خلل في أي حلقة من هذه السلسلة من مواصفات طالب الطب إلى البنية التحتية وإلى أعضاء هيئة التدريس وإلى التدريب السريري وإلى التقييم والاعتماد ينعكس مباشرة على سلامة المريض وأمن المجتمع ، ومن هنا يبرز السؤال الجوهري المشروع ما الداعي للتعليم الطبي الخاص في دولة ريعية مثل ليبيا ، تمتلك الإمكانيات والقدرات لتشييد جامعات وكليات ومراكز طبية وتعليمية متكاملة؟ هل هو تميز علمي؟ أم اختلاف في المخرجات؟ أم تلبية لسوق عمل خارجي؟ أم تمييز طبقي مقنّع؟ الحقيقة الصعبة أن السماح بالتعليم الطبي الخاص دون استيفاء شروطه الكاملة وكليات متكاملة ومستشفيات تعليمية معتمدة ، مراكز محاكاة حقيقية ، وأعضاء هيئة تدريس مؤهلين ومتفرغين ، واعتماد دولي صارم لا يمكن تفسيره إلا بوصفه تسليع خطير للتعلم الطبي ، واتجار بمهنة تمس حياة الناس مباشرة . والأخطر من ذلك هو وجود مؤسسات لا تملك من شروط التعليم الطبي شيئًا بلا بنية ولا تدريب ، ولا مستشفيات تعليمية حقيقية خاصة بهم ، ولا أعضاء تدريس متفرغين ، ومع ذلك تُنتج شهادات وتضخ خريجين في نظام صحي هش ، وهو ما يمثل تهديد صريح للصحة العامة ، وتشويه لمفهوم المهنة ، وإفراغ للطب من معناه . إن إصلاح التعليم الطبي والتدريب السريري ليس ترف ولا شأن أكاديمي داخلي ، بل هو شرط وجودي لأي نظام صحي آمن وفعال . ويقتضي ذلك إعادة النظر الجذرية في كامل المنظومة التعليمية الطبية والصحية ، وتصحيح الأوضاع دون مجاملة ، ومنع كل ما يخالف القوانين والمعايير ، وتجريم الاتجار بالعلوم الطبية والصحية ، وفرض التوأمة مع كبرى الجامعات والمستشفيات والمراكز البحثية العالمية ، وربط كل مراحل التعليم الطبي بالاعتماد الدولي الصارم للمؤسسات ولأعضاء هيئة التدريس ولبرامج التدريب السريري والبحث العلمي . فمن دون تعليم طبي رصين لا توجد رعاية صحية آمنة . ومن دون تدريب سريري حقيقي لا توجد كفاءة مهنية . ومن دون بحث علمي جاد لا يوجد تطور . ومن دون إصلاح جذري لهذه المنظومة لن تكون هناك صحة ولا تعليم .
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية