منصة الصباح
أحلام محمد الكميشي

هل تنتصر البوقا على الدولة الليبية؟

تتعدد البيوت الليبية التي تُشغِّل عاملة منزلية بلا مستندات قانونية. لتكون الأسرة الليبية والعاملة الوافدة ضحايا لمنظومة تستجلب العمالة وتسيطر عليها “البوقا” وتُدار خارج الدولة، وتحوّل الأموال بعيدًا عن مصارفها الوطنية، بلا عمولات ولا ضرائب ولا خضوع لسيادتها.

تعمل العاملة بمقابل تحدده “البوقا” التي تتقاضاه نقدًا بدلًا عنها ومعه العمولة، وتحدد توقيت الإجازة ووقت سحبها فجأة دون إرادة العائلة التي تستخدمها، والمبرر دومًا موجود: موت قريب، زوج يرفض العمل، العودة للبلاد لإحضار طفل… إلخ. وتستفيد “البوقا” من التدريب الذي تكتسبه العاملة في بيوتنا، لتعيد توظيفها لاحقًا في دول أخرى بمقابل أعلى، أو ترتب هجرتها في “قوارب الموت” بموجب اتفاق مبرم قبل إدخالها إلى ليبيا ومقابل مبلغ مالي يختلف بحسب الظروف. لذلك تتحوّل بلادنا إلى بيئة للتجارب العملية، ولا تعرف الأسر معلومات حقيقية عن العاملة أو تحوز مستنداتها الثبوتية، وتتحمل المخاطر اليومية، من دون أي غطاء قانوني.

إن سيطرة “البوقا” على كامل عملية تشغيل خدم المنازل من لحظة الاستقدام إلى حين المغادرة، له مخاطر اقتصادية وأمنية واجتماعية وثقافية، يضاف إليها وقائع السرقة والنصب، وانتهاك للخصوصية عبر التصوير داخل المنازل، بل وحتى الاعتداء والقتل. كل ذلك يحدث في ظل غياب رقابي كامل، رغم وجود تشريعات واضحة حيث صدر القرار رقم 46 لسنة 2009 بشأن لائحة تنظيم الخدمة المنزلية، والذي ينظم العلاقة بين الأسرة والعاملة، ويشترط العقود، والحقوق، والالتزامات. والقرار رقم 392 لسنة 2021 بشأن ضوابط استجلاب واستخدام العناصر غير الوطنية، والذي يضع شروطًا واضحة للاستقدام، والإقامة، والرقابة، والمهن. لكن كثرة المهاجرين غير القانونيين، وسيطرة شبكات التهريب على إدخالهم للبلاد وتدبير فرص عمل لهم، إضافة لتغير ثقافة المجتمع بشأن خدم البيوت، جعل مخالفة هذين القرارين واقع الحال.

والسؤال هو: كيف تتحدى شبكة غير قانونية دولة على أرضها برغم ما لديها من تشريعات وأجهزة منوط بها متابعة التنفيذ وممارسة الرقابة وحفظ الأمن والنظام؟ قطعًا “البوقا” ليست أقوى من الدولة، لكنها تمارس نشاطها علنًا لا خفية، وهذا وحده يكشف عن فراغ لم تستطع الدولة ملأه أو تنظيمه. وحين تُترك مساحة كهذه خارج القانون، يصبح النظام الموازي هو القاعدة بدل الاستثناء.

أحلام محمد الكميشي

شاهد أيضاً

د.علي المبروك أبوقرين

*غياب العقل الاقتصادي الصحي*

في الدول التي تُبنى على الريع لا يكون الخطر في وفرة المال بل في غياب …