ينشر مصرف ليبيا المركزي شهريًا قوائم الاعتمادات المستندية، لكن قراءة هذه القوائم تكشف أن حجم الطلب على العملة الصعبة يكفي لتغطية احتياجات عدة دول، لا سوقًا محدودًا مثل ليبيا بقدرات موانئها ونقلها واستهلاكها الفعلي، ما يطرح أسئلة جوهرية: كيف تُنفذ اعتمادات بكميات لا تتناسب مع الواقع اللوجستي والطلب المحلي؟ وهل تعكس القوائم سلعًا دخلت فعليًا إلى البلاد، أم تسريب للعملة الصعبة للخارج؟ وما دور الجهات الرقابية والأمنية المعنية بالأمن القومي؟ عندما يكون لدينا طلب يفوق طاقة السوق، تصبح المشكلة بنيوية وليست إجرائية فقط، ولا يمكن حسمها بالشعارات، بل بتتبع المسار المؤسسي للعملية.
تبدأ العملية بتقديم الشركة المستوردة طلبًا إلى مصرفها التجاري، مرفقًا بعقود الشراء والفواتير والمواصفات. هنا تقع المسؤولية الأولى: وجود نشاط حقيقي، وكميات منطقية تتناسب مع قدرة الشركة وحجم السوق. ويفترض أن يقوم المصرف بالعناية الواجبة، والتحقق من الامتثال ومكافحة غسل الأموال، والملاءة والضمانات. وأي تقصير في هذه المرحلة يعني تمرير شركات صورية أو عمليات وهمية.
ثم يُحال الطلب إلى مصرف ليبيا المركزي بغرض تغطية العملة الأجنبية. دور المركزي سيادي: إدارة الاحتياطي، تحديد الأولويات القطاعية، وتخصيص الدولار وفق السياسة النقدية. صحيح أنه لا يبرم العقود التجارية ولا يفحص الموانئ أو الشاحنات، لكنه مسؤول عن الضوابط والحوكمة والرقابة اللاحقة على المصارف، ونشر القوائم والتحقيق في أي انحرافات.
بالمقابل، لا تمنح وزارة الاقتصاد والتجارة الدولار ولا تفتح الاعتمادات، لكنها مسؤولة عن ضبط الإطار التنظيمي: منح التراخيص، السلع المسموح بها، المواصفات، المنافسة ومنع الاحتكار، والأسعار. وتبقى الجمارك والموانئ خط الدفاع الأخير، حيث تُطابق المستندات بالكميات الفعلية والمنشأ عند دخول البضاعة.
بالتالي، أي حالة “اعتماد بلا بضاعة” هي خلل تراكمي: شركة غير حقيقية، مصرف تجاري قصّر في الفحص، مركزي لم يُحكم الرقابة، وجمارك لم تتحقق من الواقع. والحل لا يكون بتبادل الاتهامات، بل بربط منظومة الاعتمادات بمنظومة التخليص الجمركي والموانئ إلكترونيًا، ونشر الكميات التي دخلت فعليًا مقارنة بما مُوِّل، ومساءلة المصارف التي تمرر طلبات غير منطقية، والتحقيق في أي تضارب مصالح. عندها فقط تتحول الشفافية من “قوائم منشورة” إلى أداة محاسبة حقيقية، ويُعرف: هل يخدم الدولار الأمن الغذائي والسوق.. أم يغادر البلاد بلا مقابل؟
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية