منصة الصباح
د.علي المبروك أبوقرين

الإعلان الطبي وتسويق المرض

لم يعد أخطر ما يواجه الصحة والتعليم الطبي هو ضعف التمويل أو تدهور البنية التحتية أو حتى الخصخصة غير المنضبطة، بل هذا الانحدار العميق حين تحولت آلام الناس إلى مادة دعائية، والمرض إلى فرصة تسويقية، والطبيب إلى إعلان متحرك. نحن اليوم أمام مشهد بالغ القسوة، تُعلن فيه المصحات كما تُعلن المراكز التجارية، ويتنافس فيه الأطباء على الظهور لا على الكفاءة، وتُروج الأدوية في مقاطع مثيرة قصيرة ، بينما يُترك المريض وحيدًا تائهًا بين وعود براقة لا يعلم إن كانت علمًا أم وهمًا. ما يحدث ليس تطورًا طبيعيًا في أدوات التواصل بل انهيار كامل لمعنى الطب ذاته. فالإعلان التجاري بطبيعته يقوم على المبالغة والإغراء والمنافسة وخلق الحاجة، بينما يقوم الطب على التحفظ والصدق العلمي والشك المنهجي وحماية الضعيف. وحين يُجبر الطب على ارتداء ثوب السوق تكون النتيجة كارثية يُستبدل التشخيص بالوعد، والعلم بالإقناع، والضمير بالخوارزمية. من يخاطب المريض بلغة الإعلان لا يبحث عن شفائه بل عن قراره الشرائي، ولا يراه إنسانًا في لحظة ضعف بل زبونًا محتملًا. والعلاقة بين الطبيب والمريض ليست علاقة متكافئة أحدهما يمتلك المعرفة والسلطة العلمية، والآخر يقف في لحظة خوف وألم وقلق وجودي. وأي دعاية داخل هذه العلاقة هي استغلال صريح للهشاشة الإنسانية، ولهذا السبب تحديدًا اعتبرت المجتمعات التي تحترم الإنسان أن الإعلان الطبي ليس حرية سوق بل اعتداء على الكرامة الإنسانية. ليس من قبيل المصادفة أن تحظر دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا والدول الإسكندنافية الإعلان الطبي التجاري، وتجرم عبارات التفوق والنتائج المضمونة، وتمنع صور قبل وبعد ، وتصل في كثير من الحالات إلى مساءلة الطبيب وسحب ترخيصه، لأنها أدركت حقيقة بسيطة مفادها أن الصحة لا تُدار بمنطق السوق، بل بمنطق العدالة والمسؤولية. وفي البيئات التي تغيب فيها الدولة وتضعف التشريعات وتتراخى النقابات وتنعدم الرقابة، تنفلت الإعلانات الصحية لتتحول إلى سوق سوداء للأمل، ومسرح مفتوح للادعاءات، وسباق محموم على الإثارة لا على الجودة. في مثل هذا الواقع يُكافأ من يُجيد التسويق، ويُقصى من يُجيد الطب، وتُدفع الكفاءات الصامتة إلى الهامش، بينما يتصدر المشهد الأعلى ضجيجًا لا الأعلى علمًا. والأخطر من الإعلان ذاته هو تطبيعه وأن يصبح مشهدًا يوميًا مألوفًا، وأن يفقد الناس حس الصدمة تجاهه، وأن ينشأ جيل طبي يرى الإعلان جزءًا طبيعيًا من المهنة، ويُقاس فيه الطبيب بعدد المتابعين وليس بعمق المعرفة ولا بإتقان الممارسة. هنا لا أتحدث عن خلل عابر أو ظاهرة هامشية بل عن تدمير بطيء لمفهوم الطب بوصفه رسالة إنسانية ومسؤولية أخلاقية. حين يُعلن الطبيب كما يُعلن المؤثر، وتُسوق المصحة كما يُسوق المنتجع، ويُباع الدواء كما تُباع العطور نكون قد انتقلنا من خدمة الإنسان إلى الاتجار به، ومن حماية الحياة إلى استثمار الخوف والألم. في تلك اللحظة لا تعود الصحة حقًا بل تتحول إلى صناعة ألم بلا ضمير، وهو أخطر اقتصاد عرفته البشرية لأنه لا يبيع منتجًا بل يبيع الخوف والأمل والحياة نفسها. منع الإعلان الطبي ليس عداءً للحرية ولا عودة إلى الوراء بل حماية للإنسان وصون لكرامته. وإعادة الاعتبار لأخلاقيات المهنة ليست ترفًا فكريًا ولا خطابًا مثاليًا بل شرط بقاء لأي نظام صحي يحترم نفسه وشعبه. *فالصحة لا تُسوق الصحة تُصان*.

د.علي المبروك أبوقرين

شاهد أيضاً

نشرة الصيد البحري المتوقعة على ساحل ليبيا اليوم

المركز الوطني للأرصاد الجوية يحذّر من رياح قوية وارتفاع الموج على الساحل الليبي

حذّر المركز الوطني للأرصاد الجوية الصيادين ومرتادي البحر من رياح نشطة إلى قوية وارتفاع ملحوظ …