بقلم: المحرر الثقافي
بينما يستمر العالم في الانبهار بأسرار الحضارات الكبرى، يبدو أن التاريخ يخبئ مفاجأة من نوع خاص في أروقة “المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية”.
ففي محاضرة علمية ألقاها الدكتور شوقي معمر أمس الأربعاء، لم يكن الأمر مجرد استعراض تاريخي، بل كان إعادة رسم لخارطة “الحرف الليبي” بوصفه واحداً من أقدم النظم الكتابية التي عرفتها البشرية.
فالمفاجأة الأكثر إثارة للجدل التي طرحها الدكتور معمر، تكمن في العثور على نص مكتوب بالحروف الليبية القديمة في الباب الأصلي لهرم “خوفو”. هذا الاكتشاف لا يمثل مجرد “نقش عابر”، بل هو شاهد مادي يكسر احتكار الحقب التقليدية للكتابة، ويؤكد أن الحرف الليبي لم يكن حبيس الصحراء فقط، بل كان حاضراً في قلب الصروح المعمارية الأكثر شهرة في العالم القديم.
التحليل الذي قدمه معمر يمتد ليشمل “قوارير فخارية” في الصحراء الغربية المصرية تعود لنهاية العصر الحجري الحديث، ونقوش وادي ميمون بمنطقة ورفلة (بني وليد). هذه القطع الأثرية المتناثرة تجمعها لغة واحدة تؤكد انتشار الأبجدية الليبية في رقعة جغرافية واسعة من شمال إفريقيا. إن وجود هذه النقوش في “بني وليد” كأقدم شواهد محلية، يعيد الاعتبار للدور الحضاري المبكر لليبيين كأحد الشعوب المؤسسة لفعل “التدوين” قبل آلاف السنين.
لم تعد الكتابة الليبية القديمة مجرد رموز بدائية، بل هي نظام متكامل تتبعه المحاضرة في ضوء اكتشافات حديثة ونصوص منشورة في مجلات دولية متخصصة. إن قراءة الدكتور معمر التاريخية لهذه النصوص تضعنا أمام استنتاج جوهري: الحرف الليبي ليس مجرد أثر، بل هو هوية بصرية وحضارية ساهمت في صياغة التاريخ الإنساني المبكر، وما زالت تنتظر من ينبش في رمالها لتفصح عن المزيد من أسرار “أول التدوين”.
منصة الصباح الصباح، منصة إخبارية رقمية